المكتبة الثقافية

الحبس المنزلي.. وسيلة لقهر أطفال القدس

كشف المختص بشؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين عبد الناصر فروانة عن ارتفاع وتيرة عقوبة الحبس المنزلي الذي تستخدمه سلطات الاحتلال الاسرائيلي منذ سنوات.

ويُقصد بالحبس المنزلي احتجاز الطفل داخل البيت طوال الفترة التي تبحث فيها المحكمة الإسرائيلية في ملفه إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية بحقه وإصدار المحكمة حكمها في قضيته، والتي قد تكون بضعة أيام أو أسابيع، وقد تمتد إلى عدة شهور، وربما تصل في بعض الأحيان إلى عام كامل أو أكثر، وهذه الفترة لا تُحتسب من فترة الحكم الفعلي الذي يصدر لاحقاً بحق الطفل.

وأشار فروانة في حديث لموقع “العهد الاخباري” إلى أنَّ ظاهرة الحبس المنزلي اتسعت مع اندلاع انتفاضة القدس في تشرين الأول/أكتوبر 2015، وتتمثل في تحويل سلطات الاحتلال الإسرائيلي مئات البيوت الفلسطينية في القدس إلى سجون.

وأوضح أنَّ سلطات الاحتلال أصدرت 2200 قرار بالحبس المنزلي بين كانون الثاني/يناير 2018 وآذار/مارس 2022، بحق أطفال قصر، 114 طفلاً منهم كانت أعمارهم تقل عن 12 عاما مقارنة بنحو 228 قرارا بالحبس المنزلي في الفترة بين 2015-2017.

ولفت إلى تحويل 70% من الأطفال المقدسيين الذين تم اعتقالهم خلال السنوات الأخيرة إلى الحبس المنزلي قبل البت في قضاياهم، فيما تراجعت قرارات الحبس المنزلي المفتوح عدديًا خلال العامين الأخيرين، الجاري والمنصرم، ولا سيما بعد إقرار عدد من القوانين الإسرائيلية التي أجازت اعتقال الأطفال القصر ومن هم دون 14 عاماً، وتغليظ العقوبة بحق الأطفال والمتهمين برشق الحجارة منهم، مما منح الشرطة والمحاكم صلاحيات أوسع باستمرار اعتقال الأطفال وتمديد فترة وجودهم في السجن. أما الحبس المنزلي الموقت والمحدود لعدة ايام فما زال مستمرا وبشكل واسع.

ويتضمن الحبس المنزلي وفق فروانة روايات مؤلمة في ظل الاستهداف الإسرائيلي للأطفال المقدسيين، فعلى سبيل المثال تفيد الإحصاءات الرسمية أنَّ سلطات الاحتلال اعتقلت خلال العام الماضي نحو 1300 طفل فلسطيني، منهم 750 طفلًا من القدس يشكلون ما نسبته 57.7% من مجموع اعتقالات الأطفال.

كما اعتُقل نحو 450 طفلًا فلسطينيًا منذ مطلع العام الجاري، منهم 353 طفلًا من القدس يشكّلون الأغلبية العظمى وما نسبته 78.4% من إجمالي الأطفال الفلسطينيين الذين تعرضوا للاعتقال هذا العام.

وما زالت سلطات الاحتلال تحتجز في سجونها ومعتقلاتها قرابة 170 طفلًا، بالإضافة إلى عشرات آخرين تجاوزوا سن الطفولة وهم داخل الأسر، ولعلَّ أبرزهم الأسير أحمد مناصرة الذي يعاني أوضاعًا صحية صعبة جراء ما تعرض له من تعذيب وعزل انفرادي وضغوط نفسية.

وتلجأ سلطات الاحتلال إلى الحبس المنزلي في محاولة منها للتحلل من مسؤولياتها والتخفيف من عمليات اعتقال الأطفال وعدم إبقائهم داخل سجونها نظرًا إلى صغر سنهم، ولا سيما من هم دون 14 عاما تجنبا للانتقادات الحقوقية، وسعيًا منها للحفاظ على صورتها الديمقراطية المزعومة أمام المجتمع الدولي. لكن في الجانب الآخر، فإن سياسة الحبس المنزلي هي سياسة لقهر الإنسان الفلسطيني، ونوع من الانتقام والتعذيب للأطفال المقدسيين بهدف ترويعهم وتخويفهم وجعلهم يفقدون الثقة بأفراد أسرهم، والتأثير في توجهاتهم وتوجهات أفراد العائلة ومعتقداتهم في سياق العقاب الجماعي للمقدسيين، ودفعهم نحو الالتزام بما يصدر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي من قرارات وما تتخذه من إجراءات مشددة، وإلزام أطفالهم بها بشكل مباشر أو غير مباشر وصولًا إلى الهدف غير المعلن والمتمثل في قبولهم بالأمر الواقع ومنعهم طواعية من المشاركة بأي شكل من أشكال الاحتجاجات السلمية وأفعال المقاومة المشروعة المناهضة للمحتل ووجوده.

ويخلق الحبس المنزلي آثارًا نفسيةً واجتماعيةً صعبة مثل توتر العلاقة بين الطفل وأهله نتيجة شعوره بأن أمه وأباه هما من يعتقلانه، وأن البيت الذي يفترض أن يكون موقع الشعور بالأمان أصبح هو السجن. كما يترتب على الحبس المنزلي في كثير من الأحيان حرمان الأطفال من حقهم في التعليم، وخلق أوقات فراغ طويلة لديهم لا يعرفون كيف يقضونها، وشعورهم بالضغط وممارسة الرقابة الذاتية على أنفسهم.

واعتبر المختص بشؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين خلال حيدثه لـ “العهد” الحبس المنزلي إجراءً تعسفيًا وغير أخلاقي ويتناقض بشكل صارخ مع قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي منحت الكثير من الحقوق للأطفال، وفي مقدمها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 كما يشكل عقوبة جماعية للأسرة بمجموع أفرادها، والتي لا يمكنها ممارسة حياتها ونشاطاتها اليومية بالشكل الطبيعي، إذ تضطر إلى أن تبقى في حالة استنفار دائم حرصاً على حماية ابنها من خطر تبعات تجاوزه الأحكام القضائية والشروط المفروضة عليهم، الأمر الذي يجعل من الحبس المنزلي جريمة قل مثيلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *