واحات إيمانية

تونس..”الحلفاوين” روح رمضان تنبع من قلب المدينة العتيقة

من القلب النابض لمدينة تونس وعمق تاريخها، يتربع حي الحلفاوين أو كما يسمى أيضا بـ”الربض الأخضر”، مكونا لوحة فنية متجانسة، عبر شوارعه وسوقه الشهيرة وجامعه ومقاهيه، عاكسا ثقافة شعبيّة ضاربة في القدم.

تقف قبالة أشهر مقاهيها فتأخذك في رحلة عبر الزمن إلى حلقات “الفداوي” (الحكواتي) التي كانت تزين ليالي رمضان زمان، وذاك الساحر البهلواني الذّي يجلب إليه انتباه الأطفال عبر ألعاب تنمي ذكاءه وخياله.

وتمر بالشارع الرئيس للحي، فيجذبك صوت ذاك البائع المتجول بعربته، مرتديا “الدّنقري” (زي محلي) ملقيا “زنّاره” (كوفيّة) على رقبته، ومشموم (باقة) الفل التونسي على طرف أذنه، يهتف بين الفينة والأخرى مناديا لجلب الزّبائن ومتغنيا بما يعرضه من سلع.

وتقول روايات السابقين، إن الحي استمد تسميته من باعة الحلفاء الذين كانوا وحتى بداية القرن التاسع عشر، ينتصبون لبيع الحلفاء (مادّة أولية تستعمل في صناعة الورق والسلال والأبسطة).

روح الحي وعينه
ولا يمكن الحديث عن “حومة (حي) الحلفاوين” دون المرور بتلك التحفة الفنية التي تتوسطه، جامع “صاحب الطّابع” آخر جامع عثماني بتونس، الذّي بني في طابق علوي مطل على كل أزقة الحي وكأنّه عين لا تغفل عن حراسته ليل نهار.

عن هذا المعلم التّاريخي المميِّز “للحلفاوين” يقول معتز عكاشة رئيس جمعية صاحب الطابع للثقافة الإسلاميّة (غير حكوميّة): “بناه يوسف صاحب الطابع بلخوجة (1765/1815)، من أصول عثمانية، كان وزيرا في عهد حمودة باشا الحسيني سنة 1814، وهو يعد من أرقى ما وصلت إليه الحضارة العالمية، وتجسد ذلك في الفنون الجميلة والزخرفة التي زينت جدرانه وأعمدته”

ويتابع عكاشة: “تتمثل ميزة الجامع في علوه، ذلك أنّه بني في طابق علوي مطل على الربض الأخضر، وأنّ كل الأنشطة التجاريّة والاقتصاديّة والاجتماعية وحتى الفلكوريّة تدور حوله”.

عبق رمضاني
في أيام رمضان، تنبعث رائحة خاصّة تميز بها شهر الصيام على مرّ العصور في الحلفاوين، حيث تفوح روائح “الخبز” الدياري (الذّي يصنع في البيت) والزلابية والمخارق (حلوى تقليدية) وكل ما لذ وطاب من الحلويات التقليدية التونسية.

ويضيف عكاشة: “لهذا الحي رونق خاص في شهر رمضان، خاصة بسوقه الثرية بمختلف أنواع الأكلات والحلويات التّونسية وباعته الذّّين ينتصبون على قارعتي الطريق مرتدين ألبسة تقليدّية كالزنار والجبة التونسية والفرملة البدعيّة والدنقري”.

تغيرت الأزمان إلا أن هذا المكان بقي محافظا على رونقه خاصة في المناسبات الدّينية والأعياد، فقاطنوه ظلوا متشبثين بتراثهم وعاداتهم القديمة.

وبعد الإفطار، يتجه جموع المصلين إلى جامع “صاحب الطّابع”، فيما يتسامر آخرون بمقاهي الحي الشّعبية، على غرار مقهى التوتة ومقهى سيدي عمارة وقهوة الفزاني
كما يلتقي آخرون في بطحاء الحلفاوين التي كانت تحتضن الأنشطة الثقافيّة وحلقات الحكاوي وعروض السطمبالي (نمط موسيقي قديم‎) والمدائح والأذكار.

ويضيف عكاشة: “من أبرز ما ميز رمضان في هذه الرّبوع بوطبيلة (المسحراتي) الذّي كان يجوب الأزقة مناديا النّاس إلى النهوض وتناول وجبة السحور، صانعا تواصلا كبيرا بين أفراد العائلة الواحدة.”

ويشير إلى أنّ “شهر رمضان كان بمثابة مهرجان يجمع كل اللوحات الروحية والفنية والثقافية التي بقيت راسخَة في الذّاكرة الشّعبية التّونسيّة”.

معقل النجوم والأعلام
حي “الحلفاوين” كان كذلك، معقلا لعدد من مشاهير تونس ونجومها.

وفي هذا الشأن، يقول رئيس جمعية صاحب الطابع: “من هذا الحي خرجت الصحافة السّاخرة والهزل والمزاح دون أن ننسى العديد من الفنانين والمشاهير الذّين عاشوا بين هذه الأسوار، أمثال صالح الخنيسي، وشبيلة راشد، وصالح عامر، وكُلّهم أثروا مشهد المدينة العتيقة ومنحوه ميزة خاصّة”.

ويؤكّد عكاشة على “غيرة” سكان الحي وتشبثهم بتراثهم، وإصرارهم على المحافظة على “التراث اللامادي والمادي له”، معتبرا عودة الأعمال الدّرامية في رمضان إلى استحضار أجواء مراحل تاريخية سابقة، دليل عل ذلك، حيث تذكر بأجواء المدينة العتيقة.

ويشير إلى أن جمعية صاحب الطابع تعمل على إحياء ذاكرة الحي، عبر إنتاج وثائقيات وتنظيم معارض صور وحلقات الفداوي (الحكواتي) وعروض سينمائية ومسامرات وسهرات فنية. (الأناضول)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *