واحات إيمانية

موريتانيا تدخل العشر الأواخر من رمضان والجميع ينتظر ليلة القدر

انسحبت أمس أول ليلة من ليالي الأوتار الأخيرة من شهر رمضان التي يستقبل الموريتانيون فيها، كغيرهم من مسلمي العالم، ليلتين عظيمتين أولاهما ليلة وهي خير من ألف شهر أي خير من ثمانين سنة، وهي ليلة مدفونة في آخر الشهر، وليلة العتق وهي آخر ليلة من ليالي الأوتار.
ففي الحديث أن «آخر رمضان عتق من النار»، وهو ما يجعل الإقبال يزداد على تعظيم العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم، الذي بدأ يودع منسحباً شيئاً فشيئاً داخل دورة الزمن.
فقد اعتاد النبي صلى الله عليه وسلم كما روت عنه زوجه أم المؤمنين عائشة «أن يغير برنامجه في العشر الأواخر شاداً مئزره، محيياً ليله، موقظاً أهله».
فمنذ أمس الأحد مستهل العشرين رمضان يدخل الجميع هنا في معركة ليالي الأوتار منتظرين ليلة القدر التي تصادف ليلة السبت المقبلة والتي ستشهد، وفقاً للمعتقد المحلي، حدث إطلاق الشياطين من أصفادها التي كبلت بها مستهل الشهر.
في آخر الشهر، يدخل الجميع إلى روحانية ليالي الأوتار التي كتمت فيها ليلة القدر لكي يعظم المسلم الليالي كلها عسى أن يصادف هذه الليلة العظيمة التي فيها أنزل القرآن والتي هي خير من ألف شهر.
في هذه الليالي ينشغل العباد بالاعتكاف في المساجد، وتبدأ الأسر بالتردد على الأسواق لشراء ملابس العيد قبل أن ترتفع الأسعار، بينما يستعد الحلاقون لاستقبال زبنائهم الذين يحلق بعضهم في العادة لحية رمضان الكثة التي يطلقها بعض متعبدي هذا الشهر. ومن الانشغالات التي بدأ التفكير فيها إخراج زكاة الفطر التي توزع على الفقراء والتي يخرجها الصائم وجوباً عن نفسه وعمن تلزمه نفقته وقدرها 2 كلغ ونصف من المادة التي هي قوت البلد.
يقول الفقيه والعالم الاجتماعي محمد فال ولد عبد اللطيف، في حديث له أمس عن رمضان في الوعي الجماعي الشنقيطي: «الموريتانيون فضلاً عن تسمية أبنائهم باسم رمضان تيمناً به، يعتبرون هذا الشهر شهراً لا توجد فيه أيام النحس التي تحدث عنها أرباب هذا الشأن، فيجوز للشخص أن يسافر في أي يوم منه وأن يغسل لباسه ويحلق رأسه ويقلم أظفاره لا حرج عليه في شيء من ذلك، وكانوا يتحرون شهر رمضان لإبرام عقود الزواج التماساً لبركته». وقال: «من بركة رمضان عند الموريتانيين أنه لا يحاسب المرء على ما أنفق فيه مما جعل بعضهم يعتقد أن الإسراف فيه جائز، ومن بركاته التي يؤمن بها العامة ولا يدركون كنهها أن الشياطين تصفد فيه وتغلق أبواب النيران وتفتح أبواب الجنان، كما ورد في الحديث الصحيح، ووقعت فيه المعارك الحاسمة في حياة الأمة كان فيها النصر حليفاً للإسلام». ونوّه عبد اللطيف إلى «أن شهر رمضان مع ذلك، وخصوصاً في أيامه الأخيرة، يقترن بنوع من الخوف والتوجس لدن كثير من الناس ولاسيما في ليلة القدر، فلا شك في أنهم يؤمنون بأنها خير من ألف شهر وأن قيامها له فضل كبير، لكنهم أحاطوها بهالة من التقاليد والأساطير والمعتقدات عكرت عليهم صفوها وذكروا من ذلك إطلاق سراح مردة الجن وانتشارهم في الفضاء وانتشار الأشباح وتحرشاتها بالناس، ومن بين تلك الأساطير يضيف الباحث، أسطورة رأس الحمار المشهورة، زعموا أنه يظهر لبعض الناس ليلة القدر رأس حمار بلا جسم فيقول له: قل ما تتمنى أحصله لك.
فاتفق أن تعرض لرجل معروف بالجبن فقال له: قل ما تتمنى قال: أتمنى أن تخرج عني فوراً فلا تراني ولا أراك فأرسلها مثلاً». وفي معالجة طريفة لظاهرة اللحية الرمضانية، يقول الباحث الاجتماعي الفقيه محمد فال ولد عبد اللطيف: «أما اللحية الرمضانية فهي لحية مؤقتة لم تأت للتلبيس ولا للتدليس، تنبت في سرار شهر شعبان وتنمو مع أيام رمضان وتحصد ضحوة أول يوم من شوال. إنها، حسب عبد اللطيف، «لحية موسمية مؤقتة أطلقت تماشياً مع قدسية الشهر المعظم أطلقها صاحبها برسم ذلك كما يقلع المترفون في هذا الشهر المبارك عن الربا والزنى والإثم والعدوان ومعصية الرسول، حتى إذا ولى شهر رمضان وطارت ملائكة ليلة القدر وروحها إلى حيث شاء الله طارت اللحية كذلك إلى حيث شاء الله ورجع المترفون والمخلطون إلى ما عودوا عليه أنفسهم قبل رمضان ثم استأنفوا العمل، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم».
وقال: «إن للناس في لحاهم مذاهب شتى، فمنهم الحالق المنْهِكُ الذي لا يبقي ولا يذر ما عرفه الناس بلحيته ولا شارب ولا رآه كاذب ولا صادق كذلك، فقد خصص للشارب وأخته اللحية نصف ساعة من وقته الثمين كل صباح، يمضيه لإزالة ما أنبته الله بالليل.
ومنهم المعفي المرسل، يضيف عبد اللـــطيف، من ألقى للحيته الحبل على الغارب فطالت واسْبَكَرتْ وتمددت عرضاً وطولاً ما شاء الله لها أن تتمدد ثم تجعدت فملأت بين السحر إلى النحر فكست صاحبها هيبة ووقاراً، ما عرفت مدية ولا موسى طول دهرها. ومن الناس من يشذب لحيته فيصير لا حالقاً ولا معفياً منزلة بين المنزلتين، يأتيها من هنا ومن هنالك حتى لم يغادر منها إلا الشيء القليل أشبه ما يكون بهذه الأعشاب القصيرة التي تنبت في حـمل السيل حين يمر بالقيعة الأجادب، ومنهم من يدع من لحيته قدر الهلال يتكاذب الناس هل هو ابن ليلة أو ليلتين، وربما غيم هذا الهلال في تجاعيد الجــسد أو النباتات الفطرية».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *