المكتبة الثقافية

تحقيق دولي في استخدام إسرائيلي مسيء لـ”تكنولوجيا تشخيص الوجوه”

تتحوّل المنشآت المتضخّمة لمراكز المراقبة والسيطرة والقمع العسكرية التابعة للاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة إلى مراكز تجريب لتقنيّات حديثة وظيفتها تعميق انتهاك خصوصية الإنسان، بل سرقة وتخزين معلومات خاصة عن كل من يمر في حاجز عسكري، لإعادة استخدامها في ممارسات الملاحقة.

هذا ما يؤكده المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) الذي يستذكر إعلان شركة “مايكروسوفت” قبل أسبوعين أنها قررت تكليف وزير العدل الأمريكي السابق إريك هولدر للقيام بعملية تحقيق في شبهة استخدامات تقنيّة لتشخيص الوجوه، طوّرتها شركة إسرائيليّة اسمها “أنيفيجين”، لمراقبة الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية والقدس. وهذا الإعلان جاء بعد عدد من التقارير التي راكمت وعززت الشبهات في قيام جهاز الاحتلال بهكذا ممارسات.

ونظام التعرف على الوجوه هذا هو تطبيق حاسوبي قادر على تحديد أو التحقق من الشخص من خلال صورة رقمية أو إطار فيديو، حيث تتم مقارنة صورة الشخص المعروضة مع بيانات الحاسوب ونظام التعرف على الوجوه، وعند تطابق الملامح يتعرف النظام على الشخص المطلوب. في البداية اقتصرت هذه التقنيات على الأجهزة الأمنية عالية المستوى والمنشآت العسكرية لتبدأ بالخروج تدريجياً إلى العالم الخارجي.

ونقلت وكالة “رويترز” أن التحقيق سيدور فيما إذا كان استخدام تكنولوجيا التعرف على الوجه التي طورتها الشركة الإسرائيلية الناشئة التي مولتها “مايكروسوفت” يتماشى مع أخلاقيات الشركة التكنولوجية العملاقة.

وخضعت شركة “أنيفيجين” التي يقع مقرها قرب تل أبيب للتدقيق بعد تقارير نشرتها صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية التابعة لصحيفة “هآرتس” وقناة “إن. بي. سي نيوز”، وأفادت بأن التكنولوجيا التي طورتها الشركة تُستخدم في مراقبة الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة. ونفت شركة “أنيفيجين” لقناة “إن. بي. سي” استخدام خدماتها في مثل هذا الأمر لكنها لم ترد على طلب وكالة الأنباء تلقي تعقيب مفصّل.

يعكس التحقيق شعورا متزايدا بعدم الارتياح داخل الولايات المتحدة وغيرها تجاه المراقبة باستخدام تكنولوجيا التعرف على الوجه

وقد يؤدي الاستخدام السيئ للتكنولوجيا إلى اعتقالات ظالمة ويحد من حرية التعبير. وساهم صندوق إم12 التابع لمايكروسوفت في استثمارات بقيمة 74 مليون دولار أعلنتها “أنيفيجين” في حزيران الماضي. لذلك، وفقاً لمصادر صحافية وسياسية، يعكس التحقيق شعورا متزايدا بعدم الارتياح داخل الولايات المتحدة وغيرها تجاه المراقبة باستخدام تكنولوجيا التعرف على الوجه التي تقول منظمات معنية بالدفاع عن الحريات المدنية إنها قد تؤدي إلى اعتقالات ظالمة وتحد من حرية التعبير.

وكانت مايكروسوفت أعلنت الأخلاقيات الخاصة بالتعرف على الوجه العام الماضي قائلة إن الشركة “تدافع عن ضمانات الحريات الديمقراطية للناس في سياقات المراقبة لإنفاذ القانون ولن تقدم تكنولوجيا التعرف على الوجه في سياقات تعتقد أنها تعرض هذه الحريات للخطر”.

وسيقود الوزير الأمريكي السابق هولدر فريقا من شركة “كوفينجتون آند بيرلينج” للمحاماة لإجراء التحقيق. وذكرت قناة “إن. بي. سي” أن تكنولوجيا “أنيفيجين” استُخدمت في الضفة الغربية وعند معابر حدودية إسرائيلية. لكن الشركة قالت للقناة إن برمجياتها لم تُستخدم في المراقبة بالضفة لكنها استُعملت عند المعابر الحدودية بطريقة مشابهة لاستخدام إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية لنظام الاستدلال البيولوجي في المطارات، على حد زعمها.

 

وكان تقرير لقناة “إن. بي. سي. نيوز” الأمريكية نشرته في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أكّدت فيه نتائج تحقيق لصحيفة “ذي ماركر” نشر في تمّوز الماضي، كشف أنّ قوّات الاحتلال الإسرائيليّة استخدمت تقنيّة التّعرّف على الوجوه، الّتي طوّرتها “أنيفيجين” بتمويل من “مايكروسوفت”، في مناطق الضّفّة والقدس المحتلّة بما يتجاوز استخدامها في الحواجز، بهدف تحديد وجوه ومواقع فلسطينيّين تلاحقهم سلطات الاحتلال للتّحقيق معهم، وهو ما أكّدته خمسة مصادر مختلفة، وفقاً للتّحقيق.

“شهادة تقدير” من إسرائيل

وتكشف التحقيقات أنّه تمّ استخدام نظام “أنيفيجين” للتّعرّف على الوجوه لغرض تتبّع الفلسطينيّين في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، مشيرةً إلى أنّ “أنيفيجين” حصلت “على شهادة تقدير من إسرائيل لمساهمتها الأمنية” وأنّ هذا ما ساهم في فوزها بـ”جائزة إسرائيل للأمن”، وهو ما ذكرته من قبل تحقيقات لصحيفة “ذي ماركر”.

ونشرت “إن. بي. سي” في تقريرها توضيحاً بالصّور والفيديو لكيفيّة عمل النّظام في منطقة باب العمود في البلدة القديمة بالقدس المحتلّة، وهو ما يثير أسئلة حول مدى خضوع المنظومات الأمنية الإسرائيليّة لقوانين حماية الخصوصيّة وقوانين قواعد البيانات، وتثير تساؤلات حول مدى أخلاقية وقانونيّة قانون البيومتريّة.

وقد تم تحديث قانون الخصوصية لحماية المواطنين الإسرائيليّين، وأصبح يتطلب تسجيل قواعد بيانات جمع المعلومات مع الحكومة، بموافقة المواطنين الإسرائيليين، إلّا أنّه يستثني حالات التحقيقات والمس بما يسمّى “الأمن القومي”، كما أنّ هذا القانون لا ينطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة.

واعتبر تقرير “ذي ماركر” أنّ “أنيفيجين” مسؤولة عن مشروعين خاصّين بدعم الاحتلال والحكم العسكريّ في مناطق الضّفة المحتلّة، الأول هو نظام التّعرّف على الوجوه الّذي تمّ تثبيته عند نقاط التفتيش، حيث يمرّ الآلاف من الفلسطينيين يوميّاً، إذ يسمح النظام بالتّعرّف السريع على حاملي التأشيرات وتقصير قوائم الانتظار. وفي هذا السياق، قال متحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي في شباط إنه “كجزء من برنامج مكثف لتحديث الحواجز من خلال دمج المكونات التكنولوجية، تم إنشاء 27 حاجزا بيومتريّا وأضيفت وظائف جديدة لتحديد التكنولوجيا وفحصها”.

الشكاوى لـ”مايكروسوفت”

والمشروع الثّاني كان أكثر سرّيّة بكثير، إذ يشمل المراقبة الدّاخليّة، خارج نقاط التفتيش، استناداً إلى شبكة من الكاميرات المنتشرة في عمق الميدان، بهدف رصد وتحديد المخاطر؛ وفق التّحقيقين الصّحافيّين.

وبهذا السياق أفادت مجلة “فوربس” أيضا بأن مايكروسوفت تلقت العديد من الشكاوى من قبل منظمات حقوق الإنسان لاستثمارها في شركة إسرائيلية تستخدم تقنية التعرف على الوجوه بالضفة الغربية.

 

وفي تصريح لـ”فوربس”، قال باحث بارز في الذكاء الاصطناعي لدى منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إن استخدام هذه التكنولوجيا “في سياق سياسي محفوف بالمخاطر، ويمكن أن يكون مشكلة” في إشارة إلى احتلال إسرائيل للضفة الغربية. وأضاف الباحث: “أعتقد أنه يتعين على مايكروسوفت أن تنظر فعلياً في ما يعنيه ذلك من مخاطر لحقوق الإنسان المرتبطة بالاستثمار في شركة توفر هذه التكنولوجيا لقوة احتلال”. وقال أيضا: “إنها ليست مجرد مخاطر تتعلق بالخصوصية ولكنها تمثل أيضاً خطراً على الخصوصية يرتبط بجماعة أقلية عانت من القمع والاضطهاد مدة طويلة”.

اتحاد الحريات المدنية الأمريكي

كما انتقد اتحاد الحريات المدنية الأمريكي الاستثمار، حيث أخبر شانكار نارايان مدير التكنولوجيا “فوربس” بأنه قابل مايكروسوفت فيما يتعلق بتكنولوجيا التعرف على الوجه، وقد بدا له في ذلك الوقت أن الشركة منفتحة على فكرة فرض قيود على استخدامها. ومع ذلك، قال: “هذا الاستثمار المحدد ليس مفاجأة كبيرة لي، فهناك فجوة واضحة بين الكلام والفعل في حالة معظم شركات التكنولوجيا الكبرى، ومايكروسوفت على وجه الخصوص”.

كما أخبر الباحث “فوربس” أنه تساءل عن المدى الذي نظر فيه المجلس الاستشاري لمايكروسوفت -بشأن القضايا الأخلاقية المحيطة باستخدام الذكاء الاصطناعي- في الاستثمار في “أنيفيجين”.

مقال “فوربس” أشار إلى السياسة التي وضعها رئيس مايكروسوفت براد سميث من ستة مبادئ، اعتمدتها الشركة في كانون الأول فيما يتعلق بالعدالة والشفافية والمساءلة وعدم التمييز والإشعار والموافقة والمراقبة القانونية.

المقال يذكر أيضاً العلاقات الوثيقة بين “أنيفيجين” ومسؤولين أمنيين إسرائيليين رفيعين منهم رئيس الموساد السابق تامير باردو كمستشار، ورئيس الشركة أمير كاين الذي ترأس إدارة أمن وزارة الأمن من عام 2007 إلى 2015.

اختراق هواتف

ويمتد الاستخدام المسيء للتكنولوجيا إلى قطاعات أخرى، تتعلق كلها بالدمج بين الربح والأمن. وفقا لسلسلة تقارير نشرتها وكالة “رويترز” أقام تطبيق واتساب دعوى قضائية ضد مجموعة “إن. إس. أو” الإسرائيلية، متهما إياها بمساعدة وكالات تجسس حكومية على اختراق هواتف ما يقرب من 1400 مستخدم في أربع قارات، في عملية قرصنة إلكترونية تستهدف دبلوماسيين ومعارضين سياسيين وصحافيين ومسؤولين حكوميين كبارا.

كذلك خدمة التراسل المملوكة لشركة فيسبوك اتهمت في الدعوى التي أقامتها أمام محكمة اتحادية أمريكية في سان فرانسيسكو المجموعة الإسرائيلية بتسهيل سلسلة من عمليات القرصنة الحكومية في 20 دولة.

البحرين والإمارات والمكسيك

والدول التي تم الكشف عنها فقط هي المكسيك والإمارات والبحرين. وقال واتساب في بيان إن مئة من أفراد المجتمع المدني تم استهدافهم ووصف ذلك بأنه “نمط جلي للانتهاكات”.

المجموعة الإسرائيلية أنكرت وقالت في بيان: “نرفض بأشد العبارات الاتهامات التي ذكرت اليوم ونكافحها بقوة”. وأضافت: “الغرض الوحيد لمجموعة إن. إس. أو هو تقديم التكنولوجيا لأجهزة المخابرات الحكومية ووكالات إنفاذ القانون لمساعدتها على محاربة الإرهاب والجرائم الخطيرة”.

الدول التي تم الكشف عنها فقط هي المكسيك والإمارات والبحرين. وقال واتساب في بيان إن مئة من أفراد المجتمع المدني تم استهدافهم ووصف ذلك بأنه “نمط جلي للانتهاكات”

وقال واتساب إن الهجوم استغل شبكة الاتصال عبر الفيديو لإرسال برمجيات خبيثة لأجهزة الهاتف المحمولة لعدد من المستخدمين. وتسمح البرمجيات الخبيثة لعملاء “إن. إس. أو”، سواء كانوا هيئات حكومية أو أجهزة مخابرات، بأن يتجسسوا سرا على صاحب الهاتف. وقال معمل سيتزن لاب، وهو معمل أبحاث في الأمن الإلكتروني مقره جامعة تورونتو ويساعد واتساب في التحقيق في اختراق الهواتف، إن من بين المستخدمين الذين جرى استهدافهم شخصيات تلفزيونية مشهورة وسيدات بارزات تعرضن لحملات كراهية على الإنترنت وأشخاصا واجهوا “محاولات اغتيال وتهديدات بالعنف”. ولم يكشف سيتزن لاب ولا واتساب أسماء الشخصيات المستهدفة.

الحكومة الإسرائيلية

بعد اتساع النشر نفت الحكومة الإسرائيلية في مطلع الشهر الجاري أية علاقة لها بادعاءات اختراق إلكتروني لتطبيق واتساب من جانب مجموعة “إن. إس. أو” للمراقبة. ونأى زئيف إلكين، عضو مجلس الوزراء الأمني في حكومة اليمين التي يقودها بنيامين نتنياهو، بنفسه عن المحاولات المزعومة لإرسال ملفات ضارة إلى هواتف محمولة لعدد من مستخدمي تطبيق واتساب، وقال إنه إذا ارتكب أي شخص أي “جُرم” فيمكنه توقع أن يجد نفسه ماثلا أمام المحكمة.

 

وقال الوزير لإذاعة “102 إف إم تل أبيب” إن “إن. إس. أو” شركة خاصة تستخدم قدرات يملكها الإسرائيليون في مجال الأمن الإلكتروني، لكن الحكومة الإسرائيلية ليست متورطة هنا. وخلال المقابلة الإذاعية قال إلكين: “لا أرى أي تبعات سياسية لهذه الواقعة”.

الاحتلال يتباهى

ويقول “مدار” في تقريره إنه كي تكون المفارقة عالية الصراخ، ها هي “وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق” أي جهاز الإدارة المدنية للاحتلال تتباهى من على موقعها بأهمية التكنولوجيا الحديثة في عملها، أي في ضبط وسائل الرقابة والإخضاع التي يقوم بها جهاز الاحتلال.

وتقول الإذاعة المذكورة ضمن ما يبدو أنه تسويق لشركات إسرائيلية إن إحدى الشركات نجحت في تحويل مسألة بناء موقع إنترنت إلى أمر سهل وبسيط يُمكن لأي إنسان القيام به. تُقدم الشركة منصة بسيطة لبناء موقع إنترنت بكل بساطة وبدون الحاجة لمعرفة مهنية. حاليا تُتداول الشركة في بورصة نيويورك وتتجاوز قيمتها السوقية المليار دولار.

وعن شركة أخرى تقول: الكثيرون يعتبرون هذه الشركة درة التاج في الهايتك الإسرائيلي حيث تعتبر من أفضل شركات البرمجة في مجال أمن وحماية المعلومات وهي التي طورت ما يُعرف بالجدار الناري. حاليا تُشغل الشركة نحو 4200 موظف ولها فروع عدد من الدول بالإضافة إلى مقرها الرئيسي في إسرائيل!

وتضيف: تمتاز إسرائيل بمميزات عدة تجعلها علامة فارقة بين دول العالم، لعل أهمها ريادتها في مجال التقنية الفائقة، أو ما يُعرف بالهايتك. عالميا، يُعتبر الهايتك الإسرائيلي الأفضل من حيث الخبرات البشرية، الابتكار والتجديد وأيضا صناديق الاستثمارات على مختلف أنواعها. قصة الهايتك في إسرائيل تعود إلى مطلع الثمانينيات حيث قررت الدولة آنذاك أن تضع هذا القطاع على سُلّم أولوياتها التنموية والاقتصادية، ونجحت في تحقيق الهدف وفي تحويل قطاع الهايتك إلى قاطرة الاقتصاد الإسرائيلي خلال أقل من 20 سنة.

وخلال هذه الفترة نتج عن الهايتك الإسرائيلي مئات من براءات الاختراع في مختلف مجالات التكنولوجيا، ومئات الشركات الناشئة (ستارت- آب) وعشرات آلاف العاملين والخبراء. وينوه “مدار” أنه أحيانا يصعب التصديق بأن بعض الشركات الرائدة عالميا جاءت من هذه الدولة الصغيرة.. كل هذا من دون أن تكاشف القراء عن حقيقة استخدامات التكنولوجيا في أهم القطاعات الإسرائيلية ذات الصلة: قطاع القمع القبيح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *