قضايا وآراء

تصاعد الجدل الإسرائيلي حولهم.. المهاجرون غير اليهود إلى فلسطين باتوا يشكلون الأغلبية ودوافعهم غير صهيونية

انشغلت دولة الاحتلال الإسرائيلي في الآونة الأخيرة مجددا بقضية المهاجرين غير اليهود في إطار موجات الهجرة اليهودية التي تتم بحكم ما يعرف بالقانون الإسرائيلي العنصري “قانون العودة”.

لكن هذه القضية ليست جديدة فقد كانت إحدى التحديات التي واجهت إسرائيل فيما يتعلق بهجرة واستيعاب اليهود، وبسؤال من هو اليهودي، الذي كان محل سجال تاريخي عندما تم تشريع “قانون العودة” عام 1950، وعندما تم تعديله العام 1970.

ويحتدم الجدل حيال هذه القضية كل مرة في ظل تناقض موقف المؤسسة الحاكمة الراغبة بدفع أكبر عدد ممكن من المهاجرين الجدد للبلاد حتى وإن كانت يهوديتهم محط علامات سؤال، وبين المؤسسة الدينية المتزمتة التي تشدد في تحديد هوية اليهودي خاصة عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين من بلاد الاتحاد السوفياتي سابق.

ويستذكر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أنه في عام 2004 نشر “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” كتابا حول هجرة غير اليهود بحسب الشريعة، أشار فيه إلى أن هنالك 300 ألف غير يهودي هاجروا إلى إسرائيل خلال الهجرة الروسية في تسعينيات القرن الماضي، مما أنتج واحدة من أهم نقاط الصدام بين الأحزاب التي تمثل المجموعة الروسية والتيارات الدينية الأرثوذكسية (الحريديم).

وبرز هذا النقاش من جديد بعد نشر معطيات اعتمدت على سلطة السكان والهجرة في وزارة الداخلية، تشير فيها إلى أن 6 من كل 7 مهاجرين في السنوات الأخيرة هم من غير اليهود. وبعد الضجة التي أثارتها هذه المعطيات أعلنت وزارة الداخلية عن خطأ وقع في المعطيات وأنها ستقوم بفحصها من جديد. وقد استهجنت الوكالة اليهودية هذه المعطيات مشيرة إلى أن الأرقام غير صحيحة، كما خرجت ضد هذه المعطيات منظمات يهودية مختلفة، خاصة في الولايات المتحدة، وشككت في صحتها أو دقتها.

60% من المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق كانوا من غير اليهود، فيما تصل هذه النسبة إلى 40% من مجمل المهاجرين

وفي تصحيحها للمعطيات نشرت وزارة الداخلية معطيات مثيرة جدا تؤكد فيها أن 60% من المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق كانوا من غير اليهود، فيما تصل هذه النسبة إلى 40% من مجمل المهاجرين، وأضافت أن 96% و95% من المهاجرين من فرنسا والولايات المتحدة على التوالي هم من اليهود.

وتشهد الحلبة الإسرائيلية عدة توجهات حيال هذه القضية منها توجه يدعو لتعديل “قانون العودة” والذي يشير أصحابه إلى أن الواقع اليهودي في العالم تغير بسبب الاختلاط من جهة، وهجرة أغلب اليهود الذين يعانون من الملاحقة أو التضييق من جهة أخرى. ويقترح هذا التوجه توسيع القانون المذكور بحيث يسمح لهجرة من هم من غير اليهود حسب الشريعة اليهودية ولكن لديهم قريب يهودي (خاصة من طرف الوالد)، علما أن اليهودي وفقا للشريعة اليهودية هو من ولد لأم يهودية.

 

وهناك توجه آخر يدعو لتسهيل التهويد الفردي (غيور بالعبرية)، ويشير أصحابه إلى أن الحل لا يكمن في تعديل “قانون العودة”، بل في تسهيل عملية التهويد الفردي وانتقال الفرد إلى اليهودية، وذلك بخلاف موقف المؤسسة والأحزاب الدينية الأرثوذكسية التي تصر على بقاء عملية التهويد الحازمة كما هي، الأمر الذي يصعب عملية التهويد الفردي ويطيل مدتها، مما يمنع الكثيرين من الموافقة على مرورها.

هجرة اقتصادية
يشار إلى أن النقاش حول هجرة من هم غير يهود لا يتعلق بالهجرة غير الشرعية أو طلب اللجوء، بل يتعلق بغير اليهود حسب الشريعة الأرثوذكسية، الذين يهاجرون ضمن موجات الهجرة اليهودية بموجب “قانون العودة”. وتشير صحيفة “هآرتس” إلى أن روسيا وأوكرانيا هما الدولتان اللتان يهاجر منهما العدد الأكبر من المهاجرين حسب “قانون العودة”، وتبذل السلطات الإسرائيلية جهودا كبيرة لحثهم على الهجرة.

ارتفع عدد المهاجرين إلى إسرائيل من 15 ألف مهاجر عام 2008 إلى حوالي 29 ألف مهاجر عام 2018 معظمهم من غير اليهود

وعموما، فقد ارتفع عدد المهاجرين إلى إسرائيل من 15 ألف مهاجر عام 2008 إلى حوالي 29 ألف مهاجر عام 2018 معظمهم من غير اليهود. وتذكر “هآرتس” في تقريرها أنه في عام 2017، جاء 49% من المهاجرين إلى إسرائيل من روسيا وأوكرانيا. في العام 2018 وصلت نسبتهم إلى 57%، وفي النصف الأول من العام 2019 وصلت نسبتهم إلى 68%، بمعنى أن اثنين من كل ثلاثة مهاجرين إلى البلاد جاءوا من هاتين الدولتين.

وتعود أسباب الهجرة إلى الصعوبات الاقتصادية عموما، وإلى الوضع السياسي غير المستقر في أوكرانيا تحديدا. وتشير المعطيات أيضا إلى أنه فقط 7% من هؤلاء المهاجرين أكملوا عملية التهويد الفردي وأصبحوا يهودا حسب الشريعة اليهودية.

ويشير شوكي فريدمان، من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، إلى أنه في خانة السكان المعرفين بـ”بدون انتماء ديني”، ويصل عددهم في إسرائيل إلى 450 ألف نسمة، هناك مجموعتان، الأغلبية منهم يعيشون كإسرائيليين وغير راغبين بأن يتحولوا إلى اليهودية، والأقلية قسم منها مسيحيون لا يعلنون عن انتمائهم الديني، لأن “قانون العودة” لا يعطي الحق لإنسان بالهجرة إذا أعلن أنه ينتمي إلى ديانة أخرى غير اليهودية.

وترى الوكالة اليهودية أن حلّ هذه الإشكالية من خلال تسهيل عملية التهويد الفردي، غير أن معارضة الأحزاب الدينية المتشددة (الحريديم) والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية أفشلت هذه المبادرات، مما حدا بعدد من حاخامي الصهيونية الدينية إلى اقتراح بدائل تهويدية مُيسّرة لهؤلاء اليهود، خاصة في ظل تصاعد هواجس الديموغرافيا والحرص على بقاء أغلبية يهودية في فلسطين التاريخية، ولكنهم كانوا موضع اتهام من المؤسسة الأرثوذكسية، التي لا تعترف بهذه العملية.

في هذا السياق يشير الباحثان يديديا شطيرن ونتانئيل فيشر في مقال نشراه بهذا الشأن إلى الخطورة في اتساع هذه الظاهرة على الإسرائيليين، حيث أن “السر”، برأيهما، الواقف وراء صمود إسرائيل ينبع من نجاحها في “تجنيد الأغلبية في إسرائيل لتنفيذ مهمات قومية بدافع الأخوة اليهودية، حيث أنها أكثر قوة من الخلافات الداخلية، ووجود مجموعة هُوية كبيرة غير يهودية في صفوفهم قد يلعب دورا في اهتراء المناعة، ويضعف الهوية اليهودية للدولة”.

مجموعتان مختلفتان من الإسرائيليين
ويضيف الباحثان أنه في حالة لم يتم حلّ مشكلة التهويد الفردي طبقا للشرع فإن الإسرائيليين سوف ينقسمون إلى مجموعات لا تستطيع الزواج من بعضها، الأمر الذي قد يؤدي إلى شرخ تاريخي لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل يشيران إلى أن وجود هذه المجموعة وحفاظها على نفسها كمجموعة مستقلة فتحا المجال لطرح سؤال الدين والدولة في إسرائيل بشكل جدي وحادّ.

باحث: إسرائيل لا تريد يهودا جاءوا للبحث عن تحسين أوضاعهم الاقتصادية بل من يهاجر إليها لدوافع صهيونية أولاً وقبل أي شيء

ويقول فيشر، المحاضر في الكلية الأكاديمية “شاعري ميداع ومشباط” والمتخصص في قضية الهجرة والتهويد الفردي، إن الناس تعتقد أن الهجرة غير اليهودية ميّزت التسعينيات وانتهت، في إشارة منه إلى الهجرة الروسية الكبيرة، ولكنه يؤكد أنه بالذات في الألفية الجديدة يهاجر إلى إسرائيل الكثير من غير اليهود في إطار الهجرات اليهودية. ويفسر فيشر ذلك في أن الواقع اليهودي في العالم قد تغير، بسبب الارتفاع الكبير، والذي يصفه بالدراماتيكي، في الزواج المختلط داخل المجتمعات اليهودية في العالم، وتقريبا لكل يهودي هناك قريب عائلة من الدرجة الأولى غير يهودي، ولذا فبطبيعة الحال، حسب رأيه، يستحقون الهجرة لإسرائيل حسب “قانون العودة”.

ويرجح فيشر أن تتسع هذه الظاهرة في السنوات المقبلة، لأنه مع مرور الوقت فإن عدد غير اليهود الذين يستحقون الهجرة إلى إسرائيل سوف يرتفع، حيث لم تكن هذه الحال منذ تشريع “قانون العودة” العام 1950، وحتى عندما تم تعديله العام 1970 عندما أضافوا بند الحفيد الذي يستحق الهجرة. وبحسب رأي فيشر فالحل لا يكمن في منع هذه الهجرة بل في ملائمة “قانون العودة” لها، لأنه برأيه لا يمكن منع هذه الهجرة، إلا إذا قررت دولة إسرائيل منح الهجرة فقط لليهودي حسب الشريعة اليهودية، وعندها سيكون الواقع أن يهوداً أرثوذكس أو حريديم فقط يستطيعون الهجرة لإسرائيل.

 

التوجهات لمواجهة هذه الظاهرة/المشكلة
وينوه مركز الدراسات الإسرائيلية إلى أنه قد طرحت في السنوات الأخيرة توجهات/مقاربات مختلفة لمواجهة هذه الظاهرة/المشكلة، تم التطرق إليها في بداية التقرير. من جملة هذه التوجهات ما يتحدث عنه الحاخام حاييم أمسالم، رئيس منظمة “شعب كامل”، الذي يعتقد أن الحل يكمن في تسهيل عملية التهويد الفردي للمهاجرين إلى البلاد.

وحسب رأيه فإنهم يحملون “نسل إسرائيل”، ويشير إلى أن إسرائيل مُلزمة بإعادتهم إلى اليهودية، لذلك لا يقترح تغيير “قانون العودة” لأنه “بقرة مقدسة”، مؤكدا أن هذا الموضوع يجب أن يحظى باهتمام كبير في الحملة الانتخابية القريبة.

تحسين مستوى المعيشة
في المقابل فإن الحاخام حاييم مركوفيتش، من “منظمة حاخامي الجاليات اليهودية”، وأحد زعماء المستوطنين، متخوف من هذه المعطيات، ويتهم في ذلك وزارة الهجرة والاستيعاب التي لا تبذل جهودا كبيرة في جلب يهود حقيقيين إلى إسرائيل، بل تذهب إلى الأماكن المريحة وخاصة في شرق أوروبا وتقول لليهود هناك إنهم يستحقون الهجرة إلى البلاد بدون التأكد من يهوديتهم الحقة.

دافع الهجرة من الاتحاد السوفييتي السابق هو تحسين مستوى الحياة وليس بسبب “التوق إلى صهيون” ولا الصهيونية والطموح للعيش في دولة يهودية

ويشير مركوفيتش إلى أن دافع الهجرة من الاتحاد السوفييتي السابق هو تحسين مستوى الحياة وليس بسبب “التوق إلى صهيون” ولا الصهيونية والطموح للعيش في دولة يهودية، لذلك فإنه يقترح التشديد على تعزيز الهوية اليهودية في صفوف اليهود الذين يعيشون في العالم، وفقط بعد ذلك منحهم حق الهجرة إلى إسرائيل. ويقول في هذا الصدد: “يجب منع الاختلاط، وإذا نجحنا في ربطهم بإسرائيل، فإنه نجاح مضاعف”.

أما بالنسبة لغير اليهود الذي هاجروا إلى إسرائيل في إطار “قانون العودة”، فإن مركوفيتش يقترح تهويدهم من جديد إذا أرادوا العيش كيهود في إسرائيل، و”هي طريق طويلة ولكنها مهمة، مثلما يحدث، برأيه، مع كل من يطلب أن يكون مواطناً أمريكياً، وعليه أن يمر بمرحلة طويلة ليصبح كذلك”.

لحم الهجرة
أما نعمة كيلر، من معهد “ريئوت”، فتقول إنه إذا كان اليهود في الخارج هم مجرد “لحم للهجرة”، فإن الكثير من الإسرائيليين سيقولون: “لا تجلبوا لنا لحماً من نوع بخس”. ووفقاً لكيلر لم يعد ينظر اليهود في العالم إلى إسرائيل على أنها ملجأ، فغالبية اليهود في العالم لا يواجهون تهديدات وجودية، ومع انتهاء الهجرتين الروسية والإثيوبية لا يتم التعامل مع إسرائيل على كونها ملجأ، ولذلك تقترح كيلر التفكير من جديد في معنى الهجرة ودوافعها، والتركيز أكثر على تحسين علاقة الإسرائيليين مع يهود العالم وليس العكس.

المطلوب: مهاجرون دوافعهم صهيونية
أما الباحث شوكي فريدمان من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية فإنه يستحضر وثيقة غبيزون- ميدان التي اقترحت تغييرات في “قانون العودة”، وتمكين الهجرة لإنسان والده أو والدته يهودية، ولكن ليس لمن علاقته باليهودية ترتكز على الجد أو الجدة. لذا يقترح فريدمان تغيير بند “الحفيد” في “قانون العودة”، حيث يؤكد أن هذا البند جاء في السبعينيات عندما لم تكن هناك رغبة لدى الكثير من اليهود للهجرة إلى إسرائيل.

أما اليوم فالوضع تغير وأصبحت إسرائيل مكاناً يرغب الكثير بالهجرة إليه بسبب تحسن الأوضاع الاقتصادية فيه، لذلك يقترح تعديل القانون، وفي رأيه فإن إسرائيل لا تريد يهودا جاءوا للبحث عن السكن بداخلها (يقصد من يهاجر لتحسين أوضاعه الاقتصادية) بل من يهاجر إليها لدوافع صهيونية أولاً وقبل أي شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *