عوفر شيلح: حزب الله تعلّم وتكيّف وجنودنا عالقون في خدمة لا تنتهي

قال رئيس برنامج سياسات الأمن القومي في معهد أبحاث الأمن القومي “الإسرائيلي” عوفر شيلح إن “التطورات الأخيرة على الساحة اللبنانية فاجأت فقط أولئك الذين ما زالوا يصدقون خطابات التباهي الصادرة عن رئيس الوزراء ووزرائه، أو الذين انساقوا وراء احتفالية السيطرة الرمزية على قلعة الشقيف”.
وفي مقال نشرته موقع القناة 12، أضاف: “بعض أصدقائي الذين شاركوا في احتلال القلعة قبل 44 عامًا ودفعوا ثمنًا باهظًا من الدماء، عبّروا لي عن انزعاجهم الشديد من استدعاء تلك المعركة التي خاضتها وحدة الاستطلاع التابعة للواء غولاني في محاولة يائسة لصنع “صورة انتصار”. أما بالنسبة لمن تخلّصوا ليس فقط من وهم “النصر المطلق”، بل أيضًا من الاعتقاد بأن ما لا يتحقق بالقوة سيتحقق بالمزيد من القوة، فإن ما جرى منذ بداية آذار/مارس لا يثير الدهشة إلا من ناحية أن هناك من لا يزال يتفاجأ”.
وتابع: “عندما أطلق حزب الله النار في 2 آذار تباهى المستوى السياسي والعسكري في “إسرائيل” بأن التنظيم، الذي تلقى ضربة قاسية في صيف وخريف 2024، قد وقع في “فخ استراتيجي” نصبته له “إسرائيل”، وأنه أصبح بالإمكان توجيه ضربة نهائية تقضي عليه تمامًا. لكن هذا الادعاء لم يستند إلى أي أساس حقيقي”.
وأشار شيلح الى أنه على المستوى التكتيكي، أظهر حزب الله (كما فعلت حماس في غزة) قدرة الناجين على التعلم والتكيف؛ إذ أعاد تموضع قواته شمالًا، وهيّأ الميدان جيدًا لحرب عصابات، تعتمد هذه المرة بشكل رئيسي على المحلقات الانتحارية. ولم يكن لاحتلال الجيش “الإسرائيلي” لمناطق داخل لبنان أي أهمية فعلية في حماية الجليل، بل أدى فقط إلى الغرق الحتمي في مستنقع عملياتي وفكري، يدفع ثمنه يوميًا من خلال الخسائر البشرية واستنزاف القوات وتآكل الشرعية.
وقال شيلح إن “”الشريط الأمني” لا يحمي الجليل من نيران الصواريخ والقذائف التي يمكن إطلاقها من مختلف أنحاء لبنان. وحتى الشريط الأمني الذي احتفظت به “إسرائيل” بين عامي 1985 و2000 لم يحقق ذلك؛ بل خلق منطقة حرب اشتبك فيها حزب الله والجيش “الإسرائيلي” وميليشيا جيش لحد، وكلما تصاعدت المواجهات وخرجت عن السيطرة – كما حدث في عمليتي “تصفية الحساب” عام 1993 و”عناقيد الغضب” عام 1996 – تعرض شمال “إسرائيل” لقصف كثيف”.
وتابع “فيما يتعلق بالسيناريو الكابوسي المشابه لعملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فيمكن التصدي له من خلال الإجراءات التي كانت قائمة منذ اتفاق التهدئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مثل: تعزيز الدفاعات على الحدود وفي المستوطنات الشمالية، والحفاظ على حرية العمل العسكري لمنع تراكم القوات والوسائل القتالية قرب الحدود، ومنح الشرعية للحكومة اللبنانية الأولى التي تطالب حزب الله بنزع سلاحه، والأهم من ذلك تعزيز منظومة الضغوط الداخلية التي تكبح التنظيم. هذه كلها إجراءات سياسية، ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر – وبالتأكيد منذ تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه – أصبحت كلمة “سياسي” غير موجودة في القاموس “الإسرائيلي”. فحكومة تحركها اعتبارات بعيدة عن المصلحة العامة، وقيادة عسكرية ما تزال تحمل وصمة الإخفاق، تخلّتا بالكامل عن دورهما في صياغة مسار المعركة، وهما تتجاهلان حقيقة أن أي إنجاز عملياتي، مهما كان ناجحًا (وفي لبنان، بخلاف غزة، تحققت بالفعل إنجازات من هذا النوع)، هو بطبيعته مؤقت وقصير الأمد”.
وأردف “إذا لم يُدعّم هذا الإنجاز بتسوية سياسية، فإن مآله الحتمي هو التلاشي. وحتى الجمهور “الإسرائيلي” المحبط والمرهق لم يعد يطالب بمثل هذه التسوية. ووفقًا للاستطلاعات التي نجريها في المعهد، لم يعد الجمهور يعتقد بإمكانية تحقيق إنجاز حقيقي في الشمال أو في إيران أو في غزة، لكنه ما زال يؤيد استمرار العمل العسكري ببساطة لأنه الشيء الوحيد الذي تعرف “إسرائيل” كيف تفعله. في الحروب، جرت العادة أن يكون المستوى العسكري هو “الحصان الجامح”، وفق تعبير موشيه دايان، بينما يكون المستوى السياسي هو الجهة التي تكبح اندفاعه عند الحاجة. لكن دونالد ترامب، بأسلوبه الخشن والقائم على فرض القوة، يقوم عمليًا بدور المستوى السياسي لإسرائيل، وهو ما يعفي، في نظر نتنياهو وقيادة الجيش، من الحاجة إلى التفكير.
بحسب شيلح: “التفكير في سبب استمرارنا في إرسال المزيد والمزيد من القوات إلى لبنان، وهي قوات تكافح حتى لحماية نفسها، وفهم أن تدمير القرى، وهو التكتيك الجديد الذي يفاخر به الجيش “الإسرائيلي”، يقضي فعليًا على أي إمكانية للتوصل إلى تسوية؛ إذ لا يمكن حتى لحكومة تعارض حزب الله أن تقبل بوضع يصبح فيه مليون شخص لاجئين في بيروت، فيما يبقى إقليم كامل تحت احتلال جيش أجنبي”.
كما لفت شيلح الى أنه “ينبغي التعلّم من التاريخ أن وجودًا عسكريًا دائمًا كهذا سيؤدي إلى نشوء مقاومة مسلحة جديدة، سواء كانت حزب الله أو جهة أخرى، تستمد شرعيتها من محاربة المحتل وتبني نفسها على مدى سنوات، كما فعل حزب الله خلال 18 عامًا. ومن خلال المعطيات المتوافرة، يمكن الاستنتاج بأن “العقيدة الأمنية” الجديدة للحكومة والجيش، القائمة على إنشاء المزيد من المناطق الأمنية العازلة المتعددة، ستؤدي في النهاية إلى إنهاك قوات الاحتياط والجيش بأكمله حتى الانهيار”.
وتابع قائلًا “ترامب لا يهتم بلبنان بحد ذاته. فالتوجيه الذي أصدره مساء أمس (الاثنين) هو نتيجة لمفاوضاته مع إيران، والتي يتمثل هدفها الأساسي بالنسبة للرئيس الأمريكي في إنهاء الحرب، لأنها تسبب له أضرارًا سياسية داخلية كبيرة. وهذا ما يحدث لـ”إسرائيل” على جميع الجبهات: فنحن نتحوّل إلى أداة غليظة تدور حول نفسها وتدمّر الأشياء، بينما الجهات التي ترسم شكل الشرق الأوسط هي أطراف أخرى، بعضها يستفيد من الوضع القائم وبعضها الآخر بدأ يفقد اهتمامه به. وهكذا نصل إلى أسوأ السيناريوهات الممكنة: جنود عالقون في مناطق قتال غير ضرورية وفي خدمة عسكرية لا تنتهي، و”مواطنون” يشعرون بحق أن أمنهم مُهمَل، وأميركي واحد يقرر لنا ماذا نفعل ومتى نفعل ذلك وفقًا لمزاجه”.
كذلك رأى شيلح أن “المنطق السليم أنه يجب الاستعداد والتمركز على خط قريب قدر الإمكان من الحدود، مع انتشار محدود قدر الإمكان شمال هذا الخط، وقوة دفاعية كبيرة جدًا جنوبه. كما ينبغي الدخول في مفاوضات حقيقية للتوصل إلى تسوية، انطلاقًا من فهم أنها ستشمل انسحابًا إلى حدود قريبة من الحدود الدولية، والحفاظ على حرية العمل العسكري ضد أي تمركز لحزب الله داخل لبنان، والأهم من ذلك تعزيز شرعية وقدرة الحكومة اللبنانية على كبحه. وبالتوازي مع ذلك، يجب الاستثمار بشكل واسع في شمال “إسرائيل” لتحسين حياة “السكان” هناك، مع مصارحتهم بأن الحياة في المناطق الحدودية لن تكون يومًا مماثلة تمامًا للحياة في المناطق البعيدة عن الحدود. لكن هذه البديل الواقعي والمتزن لا يجد اليوم من يتحدث باسمه، ليس فقط داخل الحكومة، بل حتى بين من يُفترض أنهم معارضو نتنياهو. فهؤلاء أيضًا أعلنوا أنهم كانوا سيقومون بالتصفية والسحق وتحقيق النصر الكامل دون أي تنازلات”.
وخلص شيلح الى أن التاريخ يقول إننا سنبقى عالقين في هذا الوضع إلى أن تفرض علينا الوقائع أو قوة خارجية تغيير المسار. كما يقول التاريخ أيضًا إن هذا يحدث دائمًا بعد فوات وقت طويل جدًا، وبتكلفة أعلى بكثير مما ينبغي من الدماء”.



