محلل صهيوني: الجيش لن يسمح لنتياهو بتأجيل الانتخابات عبر أيّ ذريعة

ذكر محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “معاريف” ألون بن دافيد أنه “بعد ما يقارب من ثلاث سنوات من الحرب، أعاد الجيش “الإسرائيلي” هذا الأسبوع، بأمر رسمي، إخراج الزي العسكري الرسمي (أ) (البدلة الرسمية) من الخزائن”، وقال “هناك جنود التحقوا بالجيش وسرّحوا منه من دون أن تتاح لهم فرصة ارتداء الزي الرسمي ولو مرة واحدة. وحتى أفراد الخدمة الدائمة الذين توجهوا إلى خزائنهم اكتشفوا ما فعلته بهم سنوات الحرب الثلاث: كثيرون منهم غرقوا داخل الزي الذي كان مناسبًا لهم قبل ثلاث سنوات، فيما لم يتمكن آخرون من ارتداء مقاساتهم القديمة أصلًا”.
بحسب بن دافيد، ينص الأمر على العودة من الآن فصاعدًا إلى ارتداء الزي الرسمي في المراسم، والرسالة واضحة: رغم أن الحرب لم تنتهِ، يريد الجيش “الإسرائيلي” البدء في العودة إلى القيم والمعايير والانضباط التي تآكلت بشدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. لكن الحرب، إلى جانب تأثيرها على الثقافة العسكرية، استنزفت الجيش من كل الجوانب تقريبًا، فقد حلّق سلاح الجو “الإسرائيلي” خلال هذه السنوات الثلاث عددًا من ساعات الطيران يعادل ما كان يحلّقه خلال تسع سنوات من الطيران الاعتيادي. أما الدبابات وناقلات الجنود المدرعة فقد استهلكت بالفعل آلاف المحركات، وكمية الذخائر التي استهلكها الجيش تعادل كمية الذخائر التي أطلقناها خلال الثلاثين عامًا التي سبقت الحرب.
وقال ألون بن دافيد “يمكن تعويض كل هذه الأمور وإصلاحها، لكن الأصعب بكثير هو معالجة الاستنزاف الذي أصاب البشر. فقد الجيش “الإسرائيلي” وحده، من دون سائر الأجهزة الأمنية، 1,138 قتيلًا، وأصيب 11,730 من أفراده جسديًا ونفسيًا. وهذه الأرقام تشمل فقط من تم الاعتراف بإصابتهم، ومن المتوقع أن ينضم إليهم آلاف آخرون يعانون من أضرار نفسية”.
بن دافيد أشار الى أن تأثير الحرب على الجيش أوسع بكثير: حتى أولئك الذين لا يُصنَّفون ضمن فئة المصابين تعرضوا لأضرار جسيمة في حياتهم الشخصية. وأظهر استطلاع أجراه الجيش بين أزواج وأفراد عائلات العسكريين أن روتين الحياة تغيّر في 75% من الأسر. وما زالت نسبة دعم الأزواج لاستمرار شريكهم في الخدمة تتجاوز 50%، لكن عندما سُئلوا: “إلى أي مدى تتيح لك خدمة زوجك/زوجتك الاستثمار في مسيرتك المهنية الشخصية؟”، أجاب 10% فقط بالإيجاب”.
وتابع “مع انخفاض الشعور بالتوتر والإلحاح، تشكل هذه المعطيات إشارة واضحة إلى أن الجيش الإسرائيلي سيفقد عددًا كبيرًا من الأشخاص الأكفّاء. وحتى اليوم، هناك حالات عديدة يُعرض فيها على أفراد الخدمة الدائمة مناصب قيادية مرموقة، فيطلبون بدلًا منها وظيفة خلفية أكثر راحة أو يختارون التقاعد. وليس الأمر أننا عدنا إلى الحياة الطبيعية: فالجيش “الإسرائيلي” يحتفظ حاليًا بمتوسط 53 ألف جندي احتياط يوميًا. وهؤلاء هم من يدفعون الثمن الأكبر في المنزل والعمل والمصالح التجارية. وينتشر الجيش اليوم في ثلاث مناطق أمنية: غزة ولبنان وسورية، فضلًا عن الضفة الغربية، التي تشكل المصدر الرئيسي لاستنزاف القوى البشرية. والنية هي الاستمرار في الحفاظ على هذه المناطق الأمنية وعلى الوجود العسكري المكثف في الضفة الغربية لفترة طويلة”.
وفق المحلل العسكري في “معاريف”، تكاليف إبقاء الجيش الإسرائيلي ممتدًا على هذا النحو لتنفيذ كل هذه المهام خيالية. فشهر واحد من خدمة الاحتياط في الجيش خلال العام الماضي كلّف نحو 2.1 مليار شيكل، أي ما يعادل تكلفة سبع طائرات F-35 أو 70 دبابة ميركافا. وليس مؤكدًا أن ذلك ضروري.
في غزة، على سبيل المثال، توجد حاليًا 5 ألوية تمسك بـ”الخط الأصفر”، الذي يشمل نحو 60% من مساحة غزة، إضافة إلى لواءين معززين منتشرين على طول الحدود، فضلًا عن فرق التأهب المحلية وجنود الدفاع الإقليمي، وجميعهم في خدمة احتياط نشطة. ومن المفهوم الرغبة في منح “سكان” منطقة الغلاف شعورًا بالأمان، لكن ليس من المؤكد أن ذلك يبرر إبقاء هذه القوة الهائلة، خصوصًا أن كيلومترات عديدة تفصل بين المستوطنات وحماس، وينتشر الجيش “الإسرائيلي” فيها. والأمر نفسه ينطبق على الحدود مع لبنان”.
وطبقًا للمحلل الصهيوني، الجيش “الإسرائيلي”، الذي لا يحصل أصلًا من وزارة المالية على الميزانية اللازمة لتمويل هذه العمليات الهائلة، يحتاج إلى البدء في تقليص قواته، ليس فقط لتوفير الموارد، وإنما قبل كل شيء للحفاظ على أفراده. فالحكومة الحالية ومعظم قادة المعارضة يقولون إن “إسرائيل” ستضطر إلى مواصلة الاحتفاظ بالمناطق الأمنية الثلاث – في غزة وسورية ولبنان. لكن ما ليس واضحًا هو: كيف سنموّل ذلك؟ خلال العقد الماضي، استفادت” إسرائيل” من مساعدات أمريكية سخية بلغت 33 مليار دولار، ما أتاح لنا بناء القوة التي حققت “إنجازات” لافتة في مواجهة إيران وحزب الله، وكذلك في مواجهة غزة، رغم الفشل في بداية الحرب. وينتهي اتفاق المساعدات السخي هذا عام 2028.
ويعتقد مسؤولون صهاينة يعملون مع إدارة ترامب بأن الإدارة كانت مستعدة للموافقة على اتفاق مساعدات جديدة لـ”إسرائيل” لمدة عشر سنوات وبالحجم نفسه، لكن بنيامين نتنياهو قرر قبل عام الإعلان عن أن” إسرائيل” ستكتفي بنصف قيمة اتفاق المساعدات، وبمجرد إعلانه هذا أحبط بنفسه فرصة التوصل إلى اتفاق مساعدات سخي جديد. وسيتعين علينا نحن دفع الفارق.
كذلك لفت المحلل الصهيوني الى أنه منذ اندلاع الحرب، يميل نتنياهو إلى اتخاذ قرارات وإطلاق تصريحات يبدو أنها لم تسبقها دراسة متأنية. وهكذا وصلنا أيضًا إلى الأزمة الحالية مع تركيا وسورية.
وتابع “قبل نحو عام، أوصى الجيش “الإسرائيلي” نتنياهو بالدفع نحو ترتيب أمني مع سورية. ليس لأن الجيش “الإسرائيلي” يرى في أحمد الشرع محبًّا لـ”إسرائيل”، وإنما لأنه كان واضحًا أن الشرع يبحث عن طريق إلى واشنطن، ويعتقد بأن مفاتيح العاصمة الأمريكية موجودة في يد “تل أبيب”. رفض نتنياهو التوصية، ومنذ ذلك الحين اكتشف الشرع أن أردوغان التركي يمتلك مفاتيح لا تقل أهمية عن مفاتيح إسرائيل للوصول إلى العاصمة الأمريكية. وتركيا تعمل اليوم على بناء الجيش السوري الذي يجري تجديده، وتسعى أيضًا إلى نشر قدرات عسكرية خاصة بها هناك، من شأنها أن تهدد الممر الجوي الذي فتحته إسرائيل باتجاه إيران.الهجوم الذي نُفذ هذا الأسبوع على مطار أبو الظهور السوري يقربنا من الاحتكاك مع العملاق التركي، وهو احتكاك لا نريده نحن ولا الأتراك. والمشكلة هي أنه لا توجد لدى “إسرائيل” أي قناة اتصال فورية مع الأتراك، ولذلك فإن مبعوث ترامب، توم باراك، محق عندما يشدد على مدى أهمية إنشاء مثل هذه القناة”.
واعتبر المحلل أن “السلبية “الإسرائيلية” المطلقة على الصعيد السياسي خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي لم تتمكن من تحويل ولو إنجاز عسكري واحد حققه الجيش “الإسرائيلي” إلى واقع أفضل، أدت بنا إلى أن نصبح الطرف المنجرف في الشرق الأوسط. فـ”إسرائيل” لا تنجح في فرض أي نتيجة نهائية في أي من الجبهات المفتوحة. الجيش يدرك أن نتنياهو لا يرغب في إغلاق أيّ من جبهات القتال، ويخطط لإشعال إحداها، على الأرجح غزة، من أجل عرقلة الانتخابات أو تأجيل موعدها. ويقول لي مسؤولون كبار في الجيش إنهم لن يقدموا يد العون للدخول في حرب جديدة وغير ضرورية. أما رئيس هيئة الأركان إيال زامير، الذي خاض بالفعل اختبارات صعبة في مواجهة حكومة معادية، فسيكون هذا الاختبار الأصعب والأهم بالنسبة إليه”.



