يوآف ليمور: الشمال يحترق والثمن يرتفع إمّا نتوقّف أو نُقاتل كما يجب
تناول محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “اسرائيل هيوم” يوآف ليمور واقع الجبهة الشمالية ومصيرها، فقال “نهوراي لايزر من إيلات هو آخر قتيل في لبنان، حتى اللحظة. هاتان الكلمتان – “حتى اللحظة”، تثيران القشعريرة عند كتابتهما، لكنهما واقع تفرضه الظروف. في وضع الأمور الحالي في لبنان، إنها مسألة وقت فقط – بل ربما وقت قصير، حتى يُستبدل وجه نهوراي “الجميل” بوجه “جميل” لفتى يافع آخر، بالكاد بدأ حياته، كما قالت أمس شقيقة نهوراي”.
وأضاف “المقاتلون يُفترض بهم أن يقاتلوا، والجيش يُفترض به أن يحمي وأن يكون في المقدمة بينما” المدنيون” في الخلف. لا يوجد ولا ينبغي أن يكون هناك خلاف على ذلك. لكن الجنود ليسوا قربانًا، ولا ذبيحة، ولا شرًا لا بد منه. إنهم أداة في صندوق أدوات “الدولة”، يجب استخدامها بحكمة من أجل أهداف واضحة، لأن في نهاية المطاف هناك ثمن باهظ: حيوات بشر”، وتابع “الطريقة التي يُفعّل بها الجيش “الإسرائيلي” الآن في لبنان خالية من أي منطق. يُفعّل، وليس يَعْمَل، لأن الجيش “الإسرائيلي” ليس هيئة مستقلة: إنه يتلقى التوجيهات من الحكومة وينفّذ. في “إسرائيل”، صحيح ان الحكومة – مع التشديد على المسؤولين المباشرين، رئيس الوزراء ووزير “الأمن” (الحرب) – تحاول التملص من المسؤولية وإلقاء التهمة على الجيش، إلّا أن ترتيب الأمور هو أن من يقرر هي الحكومة، وفقط هي. الجيش هو جهة توصية؛ إن شاءت الحكومة قبلت توصياته وإن شاءت رفضتها”.
بحسب يوآف ليمور، الجيش “الإسرائيلي” يصرخ منذ أسابيع طويلة بأن الوضع في لبنان لا يطاق ومستحيل. وأنه لا يمكن حماية مستوطنات و”سكان” الشمال بهذه الطريقة، ولا يمكن حماية الجنود هكذا، ولا يمكن ضرب حزب الله بهذه الصورة. وأنه لا توجد ولن تكون هناك طريقة لإدارة حرب بأيدٍ مكبّلة خلف الظهر: إما أن نقاتل أو لا. وما يفعله الجيش “الإسرائيلي” الآن هو في الأساس “لا”، حيث يُجبر على العمل خلافًا لكل مبادئ الحرب. الحكومة – مع التشديد على هذين المسؤولين المباشرين – عُرضت عليها خطط وطلبات كثيرة للعمل بشكل مختلف خلال هذه الأسابيع. على سبيل المثال، العودة إلى تصفية قيادات حزب الله في لبنان. على سبيل المثال، العودة إلى الضربات في الضاحية. على سبيل المثال، تنفيذ توغلات شمال الليطاني. على سبيل المثال، توسيع نطاق ووتيرة الضربات في أنحاء لبنان. قوبلت جميع الطلبات بالرفض.
ليمور أشار الى أن “المسؤول عن كبح الجماح “الإسرائيلي” هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبلغ “إسرائيل”، كجزء من وقف القتال في إيران، بأن هناك أيضًا وقف إطلاق نار في لبنان، والأسبوع الماضي أعلن عن تمديد هذا “وقف إطلاق النار” لـ 45 يومًا إضافيًا. إلا أن ما يحدث على الأرض هو نار بلا توقف: حزب الله يستغل وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، الذي يراه انتهاكًا للسيادة. ولكيلا يثير أعصاب الأميركيين، إنه يركزها على قوات الجيش “الإسرائيلي” وليس على “المدنيين”، لكن النتيجة متطابقة: إنه يستغل أيدي “إسرائيل” المكبّلة لضربها، وإحراجها، ومحاصرتها في موقف مستحيل.
ووفق المحلل “الاسرائيلي”، حتى قبل أيام قليلة، ركز حزب الله نشاطه على قوات الجيش “الإسرائيلي” في جنوب لبنان. في الأيام الأخيرة بات يهاجم أيضًا مواقع عسكرية جنوب الحدود، لزعزعة شعور “السكان” بانعدام الأمن في المستوطنات المجاورة بشكل أكبر. هذا يخلق وضعًا لا يُطاق يدور فيه القتال، عمليًا، فوق رؤوس “سكان” الشمال: يكفي النظر أمس إلى طلاب الثانوية في كريات شمونة وهم “يتعلمون” تحت الطاولات خلال صفارات الإنذار، لفهم أن شيئًا ما هنا مشوش من أساسه.
كما رأى أن “الجيش “الإسرائيلي” ورؤساء السلطات المحلية في الشمال يضطرون إلى التعامل مع هذا الواقع بمفردهم. حكومة إسرائيل – مع التشديد على هذين المسؤولين المباشرين – هي حاضر غائب. باستثناء الوزير إسحاق فاسرلاوف، لا يوجد أي وزير يهتم حقًا بالشمال. فهم لا يأتون، ولا يلتقون، وبالكاد يساعدون. من بين كل إخفاقات الحرب، قد يكون هذا هو الأشد خطورة، لأنه لا يوجد شيء – باستثناء الرغبة في الهروب من المسؤولية، يمنع الحكومة من احتضان ودعم الشمال، ضمن قيود الوضع”.
كذلك لفت الى أن “نتنياهو، حين كان في المعارضة، ادعى أن الشيء الوحيد الذي يُختبر فيه رئيس الوزراء في “إسرائيل” هو قدرته على قول “لا” لرئيس الولايات المتحدة. حسنًا، هذه هي اللحظة التي يتعيّن عليه فيها أن يقول “لا”، لأن الـ “نعم” التي يقولها منذ شهر ونصف تفرّط بالشمال، وبسكانه، وبجنود الجيش “الإسرائيلي”. وإذا انضم إلى هذه الـ “نعم” اتفاق مع إيران يشمل لبنان أيضًا – كما تطالب إيران، فإن المعنى سيكون أن الجيش “الإسرائيلي” سيُطالَب بالانسحاب من جنوب لبنان، وسيعود حزب الله إلى القرى، ويتعافى تدريجيًا، وفي نهاية المطاف يجدد التهديد على الشمال”.
وجاء في مقال ليمور “عند خروجها إلى الحرب الثانية في إيران، نهاية شباط/فبراير، توهّمت “إسرائيل” أن النظام في طهران سيسقط، وتبعًا لذلك سيترتب كل شيء: سينتهي المشروع النووي، وستختفي الصواريخ، وستختفي الأذرع . هذا لم يحدث – نتيجة لفشل استراتيجي مدوٍّ – ومما يثير القلق، أن الوضع اليوم هو أن إيران تحديدًا، التي ضُربت بقسوة، قد تعززت في الحرب، في حين أن إسرائيل (وكذلك الولايات المتحدة) قد ضعفت”.
وخلص الى القول “هذا صحيح في إيران، وصحيح أيضًا في لبنان: عشية الحرب في إيران، كان حزب الله مكبوحًا تمامًا ويخشى العمل، بينما كان الجيش الإسرائيلي يعمل بحرية في جميع أنحاء لبنان (بما في ذلك في بيروت). الآن حزب الله طليق والجيش الإسرائيلي مقيد، وقد يصبح أكثر تقييدًا في المستقبل. وعندما تنضم إلى ذلك قائمة آخذة في الازدياد من وجوه وأسماء الذين سقطوا، يصبح من الواجب مطالبة الحكومة – مع التشديد على هذين المسؤولين المباشرين – بالتوقف والحسم: إما أن نقاتل كما يجب، وإما أن نتوقف. هكذا لا يمكن الاستمرار”.



