تحليلٌ “اسرائيلي”: نتنياهو أشعل الشمال مجددًا.. يا له من تدهور مخزٍ

سأل دان بيري (صحافي صهيوني، المحرر الرئيسي لوكالة AP في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط سابقًا وكان رئيس نقابة الصحفيين الأجانب في القدس المحتلة) في مقال نشرته صحيفة “معاريف” اليوم: “ما الذي جنيناه بحق الجحيم من قيام رئيس الوزرراء “الاسرائيلي” بنيامين نتنياهو بالهجوم مجددًا في ضاحية بيروت؟”، وقال “هذا السؤال يجب أن يقف الآن في مركز النقاش العام في “إسرائيل”، وخاصة بعد أن أصبح واضحًا بالفعل إلى أين أدت هذه الخطوة: هجوم بالصواريخ الباليستية الإيرانية على الشمال، وتهديد ملموس بتصعيد إقليمي أوسع، ورئيس أميركي – سرب قبل أيام فقط أنه شتم نتنياهو وأهانه، تحديدًا بسبب سلوكه في الساحة اللبنانية – يشير علنًا إلى أنه يريد لهذا الحدث أن ينتهي فحسب. وهذا في الواقع هو بالضبط ما كان متوقعًا مسبقًا”.
وأضاف “لو كان الهجوم على الضاحية خطوة غيّرت الواقع الاستراتيجي، لربما كان من الممكن الادعاء بأن هناك منطقًا باردًا ومحسوبًا. لو كان الأمر يتعلّق بعملية أنقذت حياة جنود، أو أحبطت هجومًا وشيكًا، أو ألحقت ضررًا قاتلًا بقدرات حزب الله، لكان بإمكان المرء على الأقل أن يفهم لماذا اختارت “إسرائيل” المخاطرة. لكن لا شيء من هذا صحيح”.
وتابع “وفقًا لكل ما هو معروف حاليًا، فإن الهجوم – الذي يأتي في لحظات حساسة من المفاوضات الأميركية مع إيران، بينما تبذل الولايات المتحدة جهودًا مجنونة لخفض ألسنة اللهب في لبنان بهدف الفصل بين الساحات – لا يغير شيئًا ولم يساهم بشيء. حزب الله لن ينهر بسبب مبنى فارغ آخر في بيروت. الهجوم بالتأكيد لا يمنع الإصابات التي تؤدي إلى مقتل جنودنا. بل إن أي مقتل لمدنيين كان سيوفر تحديدًا تبريرًا لذلك”.
بيري رأى أن “السلوك “الإسرائيلي” في لبنان يعرّض الأصول الاستراتيجية الأكثر أهمية التي تمكنت إسرائيل من تحقيقها هناك في السنوات الأخيرة”، وأردف “هناك اليوم في بيروت قيادة، تحت رئاسة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، ترى في حزب الله عنصرًا تدميريًا وخائنًا وتبحث عن طريقة لإعادة لبنان إلى سيادة حقيقية. هذه أصول استراتيجية هائلة بالنسبة لـ”إسرائيل”. هذه هي الشرعية المحددة التي يتعين على إسرائيل البناء عليها.، على حدّ تعبيره.
بحسب بيري، أيّ مساس بالمدنيين اللبنانيين، وأي مساس ببنية تحتية ليس لها تبرير واضح مرتبط بحزب الله، ناهيك عن عدم محاولة الاعتراف بالخطأ أو الإعراب عن الأسف، يُعيد تقوية رواية حزب الله. وبدلًا من عزله سياسيًا داخل لبنان، قد تساعده إسرائيل على تقديم نفسه مجددًا كمدافع عن الدولة في وجه “العدوان الإسرائيلي”. وهذا هو الأمر المحبط للغاية: يبدو أنهم في “تل أبيب” يتجاهلون هذه المعادلة تمامًا.
كذلك سأل “ما المخطط له في الحقيقة؟”، ثمّ أجاب “حزب الله متواجد في البقاع. هل سنعتمد على أنفسنا فقط؟ هذا يعني الاندفاع شمالًا لمسافة 150 كيلومترًا واحتلال معظم لبنان. وحتى لو عمل الجيش “الإسرائيلي” لسنوات أخرى، في النهاية هناك حاجة لدولة لبنانية أقوى من حزب الله، وحاجة لدعم دولي، وتنسيق مع الولايات المتحدة ومع أوروبا، وأغلبية لبنانية ترى في هذا التنظيم عبئًا وليس درعًا واقيًا”، وفق ادّعائه.
وأكمل “ألم يكن من الممكن النظر خطوتين إلى الأمام وفهم أن هذا ليس الوقت المناسب لإشعال الشمال مجددًا – وربما المنطقة بأسرها، عندما سيلوم العالم كله إ”سرائيل”؟ لأنه في الوقت الحالي، مع كل أهمية حزب الله، فإن الساحة المركزية ليست لبنان بل إيران – وهناك تحديدًا “إسرائيل” موجودة في وضع دقيق وخطير أمام واشنطن. انعدام المسؤولية صادم. بعد المغامرة حيال إيران، التي أديرت دون حل حقيقي لقضية هرمز وبدون استراتيجية خروج واضحة، تجد “إسرائيل” نفسها بالفعل في زاوية سياسية معقّدة. وبدلًا من انهيار النظام في طهران، حصلنا على واقع يبدو فيه أنه على الرغم من “النجاحات العسكرية الباهرة” في الأيام الأولى، فإن الولايات المتحدة تبحث عن طريقة للخروج من هذا المأزق بطريقة غير مخزية. ترامب يواجه رأيًا عامًا يغلي غضبًا، وأسعار طاقة ترتفع، وانتخابات التجديد النصفي تلوح في الأفق، وهو يدرك تمامًا أن حربًا إقليمية مستمرة قد تحوّله في غضون أشهر إلى بطة عرجاء. إذا فقد الجمهوريون السيطرة على الكونغرس، فإن الطريق ستكون قصيرة نحو التحقيقات، ومحاولات العزل، وانهيار الأجندة بأكملها. ولذلك، قادت “إسرائيل” نفسها إلى زاوية باتت مطالبة فيها باحتواء حتى القصف الإيراني، ويتعين عليها الاستجابة، ببساطة لأنه من دون الولايات المتحدة لا يمكنها حقًا الاستمرار في حرب واسعة النطاق لفترة طويلة”.
“بيري أشار الى أن الحديث عن “الاستقلال” هو وهم. فمن دون الجسر الجوي الأميركي، ومن دون الذخائر، ومن دون الفيتو في الأمم المتحدة، ومن دون الحماية الدبلوماسية الأميركية أمام أوروبا وأمام المؤسسات الدولية – لا يمكن لـ”إسرائيل” إدارة حرب كبيرة لأكثر من بضعة أسابيع. فالذخائر ستنفد. والضغط السياسي سيصبح هائلًا. وبعد أن نواجه العقوبات، ولطالما افتقدنا للظهر الأميركي، لن يصمد أي نفوذ عسكري لفترة طويلة”.
واعتبر أنه “من الصعب التحرر من البعد السياسي للقصة بأكملها. ترامب ونتنياهو هما حاليًا في مسارين متعاكسين تماماً. فبالمقارنة مع ترامب الذي يحتاج إلى الاستقرار، يحتاج نتنياهو إلى أن يتغيّر شيء ما، لأنه يتأخر في استطلاعات الرأي بفوارق شاسعة، ومن الواضح أنه من دون هزة هامة فإنه في طريقه للخسارة. والأمر المذهل هو أن جزءًا كبيرًا من الجمهور لا يستبعد على الإطلاق احتمالية أن الحكومة تحاول رفع حدة ألسنة اللهب لهذا السبب تحديدًا: حالة طوارئ أخرى، وهذه المرة ربما حالة تسمح بتأجيل الانتخابات”.
وختم “ما الذي يهمها إن عاد “الإسرائيليون” لقضاء الوقت في الملاجئ، وإن لم تكن هناك مدارس مجددًا، وإن لم تكن هناك رحلات طيران مجدداً، وإن ذهبت المليارات سدى مجدداً. الجمهور غبي، ولذلك الجمهور سيدفع الثمن. باستثناء الحريديم بطبيعة الحال؛ فهم سيحصلون على ما يريدون. هذه هي مأساة “إسرائيل” في سنة 2026: حقيقة أن ملايين “الاسرائيليين” لا يعتقدون على الإطلاق بأن هذا السيناريو مستبعد. مسألة “الاعتبارات الأجنبية” – بلغة منمقة – أصبحت طبيعية تماماً. لا أذكر أن أحداً قال هذا عن غولدا، ولا رابين أو بيريز، أو بيغن أو شامير أو شارون. ولا حتى عن أولمرت. هذا ربما هو الشيء الأكثر كآبة في القصة بأكملها. يا له من تدهور مخزٍ”.



