واشنطن تلوّح بحظر الأسلحة عن كيان العدو

ذكرت مراسلة ومحللة الشؤون السياسية في صحيفة “معاريف” آنا بارسكي أن أزمة أعمق بكثير تتبلور من وراء المواجهة العلنية بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ورئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو، مشيرة إلى أن “إسرائيل” تُقدّر أن الضغط الأميركي للانسحاب من جنوب لبنان ومن الحرمون السوري بعيد عن النهاية، ومن المتوقع أن يتزايد تمهيدًا للتوقيع المتوقع على مذكرة التفاهم مع إيران غدًا الجمعة بـ 19 حزيران 2026.
وبحسب بارسكي، تحذر جهات في “إسرائيل” من أن الرسائل القادمة من واشنطن لم تعد تقتصر على المحادثات الصعبة، فإذا استمرت “إسرائيل” في الإصرار، فإن الشرخ قد ينتقل إلى مرحلة عملية، بما في ذلك تأخير شحنات الأسلحة، وفرض قيود أمنية، بل حتى إجراءات تشبه حظر أسلحة.
وتابعت أن تصريحات ترامب الاستثنائية ضد سياسة “إسرائيل” في لبنان، والهمزات الشخصية تجاه نتنياهو، تُفسَّر في “إسرائيل” على أنها إشارة متعمدة لضغط أميركي حاد يجري وراء الكواليس.
ولفتت بارسكي إلى أنه “في محادثات مغلقة، تقول مصادر في “إسرائيل” إن ترامب يمارس في الآونة الأخيرة ضغوطًا شديدة على نتنياهو لإبداء مرونة في الساحة الشمالية، كجزء من جهوده للتوصل إلى توقيع مذكرة التفاهم مع طهران”. ووفقًا للمصادر، فإن المطالب الأميركية تشمل انسحابًا “إسرائيليًا” من النقاط الخمس في جنوب لبنان، والخروج من الحرمون السوري، وتقليصًا كبيرًا للنشاط العسكري الذي قد يعرض العملية السياسية مع إيران للخطر.
ووفقًا لبارسكي، تُقدّر “إسرائيل” أن الأميركيين لن يتركوا هذا الأمر، وكلما اقترب موعد التوقيع المتوقع يوم الجمعة، من المتوقع حدوث جولة ضغوط إضافية من جانب واشنطن، لا سيما حول لبنان.
وتتخوف “إسرائيل” من أن تحاول الإدارة الأميركية انتزاع التزام صريح من نتنياهو بالانسحاب، أو على الأقل صيغة تسمح لترامب بأن يعرض على العالم العربي إنجازًا “إسرائيليًا” – أميركيًا في الساحة اللبنانية، على ما تورد بارسكي.
وأردفت بارسكي: “أما المخاوف الأشد فترتبط بطبيعة الرسائل التي تصل من واشنطن، إذ تقول مصادر “إسرائيلية” إن الأميركيين يلمحون إلى أنه إذا استمرت “إسرائيل” في الإصرار، فإن الأزمة لن تبقى داخل غرف المداولات أو في التصريحات العلنية الحادة. ووفقًا لأقوالهم، تحوم فوق الطاولة أيضًا إجراءات عملية، تبدأ من التأخير في شحنات الأسلحة، مرورًا بفرض قيود على المساعدات العملياتية، وصولًا إلى إمكانية اتخاذ إجراءات أكثر حدة، تصفها “إسرائيل” بأنها قد تشبه في الواقع حظر أسلحة”.
أول أمس، في المؤتمر الصحفي الذي عقده في ختام قمة G7 في فرنسا، اختار ترامب التعبير علنًا عن جزء من الخلافات مع نتنياهو، بحسب بارسكي، إذ قال ترامب: “أحيانًا ينفعل نتنياهو أكثر من اللازم”، مضيفًا: “لدينا خلاف بشأن لبنان. أنا أقول له إنه يمكنه إبداء نهج أكثر نعومة قليلًا، ولا حاجة لإسقاط مبنى كامل في كل مرة”. وفي وقت لاحق، صعّد ترامب من حدة انتقاداته قائلًا: “أعتقد أن بإمكانهم الأداء بشكل أفضل فيما يتعلق بحزب الله، فعندما تُطلق طائرتان مسيرتان نحو الصحراء ويتم إسقاطهما دون التسبب في ضرر، فلا داعي لأن يدمروا مبانٍ في بيروت”.
وبحسب قوله: “لقد نظرت إلى الصور من هناك قبل يومين. لقد كانت تلك ضربة كبيرة جدًا، برأيي لم تكن ضرورية”.
وبحسب بارسكي، ترى “إسرائيل” في هذه الأقوال ما هو أبعد بكثير من مجرد خلاف على صياغة الاتفاق. فمن وجهة نظر جهات “إسرائيلية”، ترامب يسعى لجباية ثمن أمني من “إسرائيل” في الشمال مقابل الاتفاق الذي يحاول إبرامه مع إيران، وبذلك يقلص حرية عمل الجيش “الإسرائيلي” ضد حزب الله وفي سورية. وتؤكد مصادر في “إسرائيل” أن المطالب التي قُدّمت ليست نظرية فقط، وأن ملفات لبنان وسورية والحرمون السوري طُرحت في المحادثات الأخيرة مع نتنياهو. وبحسب المصادر، فقد رد رئيس الحكومة بالرفض على مطالب الانسحاب الكامل، وأوضح أن “إسرائيل” لن توافق على التنازل عن إنجازاتها الأمنية في الشمال.
كما قالت بارسكي: “في موازاة ذلك، فإن مواقف ترامب تجاه إيران نفسها تثير عدم الارتياح في “إسرائيل”، فقد صرح الرئيس الأميركي بأنه لا يرى في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني تهديدًا رئيسيًا، بل وأعرب عن معارضته للمطالب بحرمان طهران من هذه القدرة”، وقال ترامب: “هناك أشخاص من حولي يقولون إنه لا ينبغي أن تمتلك إيران ولو صاروخًا واحدًا، لا أعتقد أنهم أذكياء للغاية”. وأضاف: “ماذا يُفترض بي أن أفعل؟ أن تمتلك السعودية صواريخ وألا تمتلك إيران؟ الأمر ببساطة لا يسير على هذا النحو. الصواريخ ليست هي المشكلة. يمكنها أن تصيب هدفًا معينًا، لكنها لا تفجر العالم”.
وأشارت إلى أن هذه المقولات تعزز الشعور في “إسرائيل” بأن ترامب عازم على الدفع بالاتفاق بأي ثمن تقريبًا، حتى في ظل وجود فجوات عميقة مع مواقف “إسرائيل”، وحتى عندما يقلل من أهمية التهديد التقليدي الناجم عن إيران وأذرعها.
وكشف الرئيس الأميركي أنه سلّم “إسرائيل” نسخة من مذكرة التفاهم الآخذة في التبلور مع إيران، والتي ذكر أنه قد يتم توقيعها في الأيام القريبة القادمة. وقال: “إذا لم تعجبني، سنعود لرمي القنابل”. ومع ذلك، يخشى المسؤولون في “إسرائيل” من أنه حتى لو ترك ترامب لنفسه مخرجًا للعودة إلى العمل العسكري، فإن مجرد التوقيع سيخلق واقعًا سياسيًا جديدًا، يُطلب فيه من “إسرائيل” كبح جماح نفسها في الشمال، على ما تورد بارسكي، موضحة أن أحد البنود التي تثير قلقًا خاصًا في “إسرائيل” هو ذلك البند الذي نُشر في مسودة مذكرة التفاهم، والذي يفيد بأن إيران والولايات المتحدة، جنبًا إلى جنب مع حلفائهما، سيعملون على وقف القتال في جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان. وتتخوف “إسرائيل” من أن يكون المعنى العملي لذلك هو محاولة أميركية لترجمة الاتفاق مع إيران إلى تقييد لحرية عمل “إسرائيل” ضد حزب الله.
وخلصت إلى القول: “خلف الكواليس، تجري بحسب نفس المصادر محاولات لتسوية الأمور مع البيت الأبيض، بل وفُحصت إمكانية عقد لقاء مع ترامب أو إرسال وفد رفيع المستوى إلى واشنطن. لكن حتى اللحظة، تقول المصادر، لم يتم تلقي رد من الجانب الأميركي”.



