باحث صهيوني: بين إخفاقين: «لم نتعلم بما يكفي من الفشل»

كتب الباحث الأول في مركز “ديان” في جامعة “تل أبيب” ميخائيل ميلشتاين تقريرًا نُشر اليوم في صحيفة “يديعوت أحرونوت” ورد فيه: “ما حدث هو نتيجة حزينة لعملية صعبة وطويلة لم تستثنِ أيًّا من مجالات حياتنا (…). مشكلتنا الحقيقية والكاملة -مهما كانت حزينة- هي أن نجري مراجعة ذاتية صارمة مع أنفسنا (…). لقد صنعنا جميعًا هذه العملية، فلا أحد بريء، وأنا أيضًا لا أستثني نفسي. كل واحد ساهم في هذه العملية في مجاله (…). وإذا بدأ الجميع الآن “بالانقضاض” على الاستخبارات ورأوا فيها كبش فداء، فسيكون هذا نهجًا سطحيًا ومضللًا، لأن الاستخبارات، التي توجد بحوزتها أحدث المعلومات وأكثرها دقة، إذا كان المعنى المنسوب إليها غير صحيح، فإن المعلومات لا تساوي الكثير”.
أضاف: “تبدو هذه الكلمات وكأنها قيلت في أعقاب 7 أكتوبر، لكنها في الواقع طُرحت على لسان مئير عميت، رئيس الموساد السابق، بعد فترة قصيرة من انتهاء حرب يوم الغفران. وتُجسّد هذه المقولة التشابه المخيف، الذي يكاد لا يُصدَّق، بين ما عُرّف بأنه صدمة تأسيسية غير مسبوقة وعلامة تحذير وطنية حتى 7 أكتوبر 2023، وبين الحدث الذي حلّ محلها وتجاوزها في شدته. ولا يقتصر التشابه بين الصدمتين على المفاجأة والضربات المؤلمة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الجوهر: ففي كلتا الحالتين لم يكن الأمر مجرد فشل للاستخبارات، بل أيضًا لصانعي القرار، وعكس أجواءً كانت سائدة في المجتمع بأسره”.
ورأى الباحث ميلشتاين أن “التشابه بين الإخفاقين يثير الاضطراب بصورة خاصة في ضوء حقيقة أن صدمة 1973 لم تُمحَ قط من الذاكرة “الإسرائيلية”. بل على العكس، فقد نُقش درس الماضي في الوعي الجماعي، وأصبح معيارًا تُرسَّخ في ضوئه توجيهات، ولا سيما بين العاملين في الاستخبارات، وصيغت وفقه الغاية والمهارات وتعليمات «افعل ولا تفعل». وقد كان نصف القرن الذي مر منذ عام 1973 مشبعًا بالشعور بأن دروس الماضي قد تعلّمناها جيدًا. ويتجسد تعبير ملموس عن ذلك في الخطب التي ألقاها كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية في المراسم التي أُقيمت لإحياء الذكرى الخمسين لحرب يوم الغفران، قبل 7 أكتوبر بفترة قصيرة، والتي رافقها وعد بأن السلوك وطرق التفكير قد تغيرا جذريًا، ولا سيما في الاستخبارات”.
وأكد أن “إخفاق 2023 كان أشد من إخفاق 1973، سواء بسبب حجم الخسائر، والمذبحة، وعمليات الخطف الجماعية، والتوغل العميق في الأراضي “الإسرائيلية”، إلى جانب تدمير بلدات وإجلاء سكانها لفترة طويلة، أو لأن المفاجأة في 2023 كانت مطلقة. ففي حين جرت عشية الحرب في عام 1973 مناقشة محمومة بشأن الهجوم المتوقع، وأصبح التقدير أنه سيحدث مهيمنًا خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت الحرب، فإن الهجوم نفسه في 7 أكتوبر كان مفاجأة مطلقة، ناهيك عن حجمه، والجبهة التي نُفذ فيها، وهوية الطرف المهيمن فيه، الذي كان يُنظر إليه على أنه عدو ضعيف ومردوع”.
ويوضح البروفيسور أوري بار-يوسف، أحد أبرز الباحثين في إخفاق حرب يوم الغفران: «في عام 1973 كانت هناك أصوات كثيرة في شعبة الاستخبارات حذرت من الخطر، لكن رئيس شعبة الاستخبارات آنذاك، إيلي زعيرا، تجاهلها. في 7 أكتوبر، لم يخطئ رئيس شعبة الاستخبارات وحده، بل أخطأ معظم أفراد الشعبة. هذه مطابقة غير محتملة للقيادة العليا للجيش، والتي سادت على ما يبدو أيضًا في الرتب الأدنى».
وأضاف ميلشتاين: “بعد ثلاث سنوات من مذبحة 7 أكتوبر -ورغم عدم إقامة لجنة تحقيق رسمية، وبذل جهد لهندسة السرديات (خصوصًا بدفع من المستوى السياسي)- يمكن رسم مصادر الإخفاق بدقة نسبية. ويتضح أن الأمر لم يكن إخفاقًا للاستخبارات وحدها، بل حالة من العمى الوطني شملت السياسيين ورؤساء المؤسسة الأمنية، إلى جانب جهات إعلامية وأكاديمية، فيما جرى الحوار بين جميع هؤلاء مثل «صندوق صدى» تطور في إطاره المفهوم، والإخفاق لم يكن نتاج أعطال تقنية، مثل مشكلات تحديث المعلومات وإيقاظ كبار المسؤولين، بل كان عدم فهم متطرفًا للعدو، وأنه لم يتطور في الليلة بين 6 و7 أكتوبر، بل قبل ذلك بسنوات، وتحول إلى إغلاق فكري يُشك في أنه كان من الممكن زعزعته صباح “فرحة التوراة””.
وتابع: “في عام 1973 وفي عام 2023 على حد سواء، أخطأت “إسرائيل” في فهم نوايا العدو، ولكن بصورة معكوسة: ففي حرب يوم الغفران، لم تنجح الاستخبارات في تقدير أن السادات خطط لعملية محدودة بكثير مما كان مقدرًا، وكان هدفها الأساسي كسر الوضع السياسي القائم، بينما في 7 أكتوبر قُدّر أنه إذا بادرت حماس إلى تحرك فسيكون محدودًا نسبيًا، ولم يُفهم أن الهجوم خُطط له ليكون واسعًا، وأنه نابع في جوهره من هدف أيديولوجي متطرف ومن إيمان بضرورة مواجهة إسرائيل وقدرة حماس على القضاء عليها. وفي كلتا الحالتين، برزت نظرة استخفاف بالعدو تكاد تصل إلى الاحتقار، امتزجت بإيمان بقدرة “إسرائيل” على اكتشاف أي هجوم وصدّه”.
وأشار إلى أن التحقيقات في إخفاقي 1973 و2023 تختلف اختلافًا جوهريًا. “ففي أعقاب حرب يوم الغفران، أُقيمت لجنة تحقيق رسمية، لكن، ومهما بدا الأمر غريبًا، لم تقم الاستخبارات قط بتحليل جذور الإخفاق بعمق، بحجة أنه لا جدوى من نبش أخطاء الماضي، بل ينبغي التركيز على إعادة التأهيل. وبعد 50 عامًا، لجأت أجهزة الاستخبارات -وفي مقدمتها شعبة الاستخبارات والشاباك- إلى إجراء تحقيق معمّق وحاد، بينما يميّع المستوى السياسي المهمة المقدسة و«يلوّثها» بسرديات حافلة بالاختلاقات، من أجل إبعاد المسؤولية وإلصاقها بالآخرين”.
وأضاف: “وفي عام 1973 أيضًا كانت هناك فجوات فيما يتعلق بتحمل المسؤولية بين المستويين السياسي والعسكري، لكن في نهاية المطاف تحمّل الجميع المسؤولية، خلافًا للوضع الحالي، حيث يجري الترويج لمحاولة ترسيخ سردية مفادها أن المستوى الأمني أخطأ، بينما ضُلّل المستوى السياسي”.
ورأى الباحث “الإسرائيلي” أن “قرار المستوى السياسي عدم إجراء تحقيق رسمي هو أصل كل الشرور، ويدفع ثمنًا باهظًا منذ بداية الحرب، يتمثل في تكرار الأخطاء التي تكمن فيها بذور «مفهوم الأم». وفي هذا الإطار، وُلد عدد لا يحصى من الأوهام الضارة التي كان مصدرها المستوى السياسي، مثل مشروع GHF (محطات لتوزيع الغذاء هدفت إلى تجاوز سيطرة حماس على المساعدات الإنسانية) الذي دُفن بثمن باهظ في رمال غزة، وتنمية الميليشيات في القطاع، والإيمان بالقدرة على إفراغ المنطقة من الفلسطينيين، وفي السنة الأخيرة الوهم المتعلق بإسقاط النظام الإيراني من خلال الجمع بين «قطع الرأس»، والضربة الجوية، وتفعيل الأقليات. ولا تخضع الإخفاقات للتحقيق، بل إن بعضها يُعرض أصلًا على أنه إنجازات”.
وخلص إلى أنه “بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، غيّرت إسرائيل بالفعل بصورة جذرية سلوكها العسكري والاستراتيجي، كما يتجسد ذلك في الاستخدام المستمر للقوة في كل زمان ومكان، وفي الشهية المتزايدة إلى الأراضي، لكن يبدو أن الفهم المتعلق بالعدو والمنطقة لم يتحسن. وينطبق ذلك على الجهات الأمنية، وعلى الجمهور، وبالتأكيد على صانعي السياسات. ومن أجل عدم العودة إلى الدورة التاريخية المدمرة التي انكشفت بين عامي 1973 و2023، يجب أن تُقام لجنة تحقيق رسمية تعيد التحقيق بصورة مستقلة في جميع الهيئات ذات الصلة، بما في ذلك تلك التي أجرت تحقيقات داخلية، وبالطبع المستوى السياسي”.



